ولما جاء إلى فاس؛ سكن بدار في أقصى الدرب الجديد من المخفية من عدوة الأندلس من فاس - حاطها الله - وهي: الدار التي في يد أعقابه إلى الآن، وكانت أولا في يده على وجه الرهن، ثم اشتراها، ثم توسع فيما حواليها بالشراء حسب الضرورة والتيسير. وكان أولا يسكن في أعلاها ويجتمع الناس في أسفلها، ثم اشترى دويرة صغيرة تجاورها في جوفها؛ فصار الناس يجتمعون فيها، وخلصت الأولى للسكنى، والضرورة مع ذلك داعية للتوسعة؛ فاشترى دارا أخرى تجاور هذه الدويرة في جنوبها بمائتي مثقال اثنتين وخمسين مثقالا [1] . وكانت دارا واسعة رحيبة الساحة؛ فانتقل الناس إليها، وأول صلاة صلوا فيها: ظهر الاثنين أول يوم من شهر رمضان سنة ثلاث وألف.
[تأسيسه لمسجده بالمخفية] :
ثم إلى يوم الأحد الخامس من شوال سنة أربع وألف شرع في تأسيس المسجد وما اتصل به في تلك الدار، وأنفق في عمارته جملة وافرة من المال، تحرى فيها تَمَحُّضَ حِلِّيتها وخلوصها. وتم بناء المسجد بما يحتاج فيه، وبسطت فيه الحُصُر وعلقت المصابيح يوم الأحد التاسع من ذي الحجة مكمل سنة التاريخ. وأول صلاة صليت فيه: ظهر اليوم المذكور. ورتب فيه إماما ولده شيخنا الإمام أبا العباس أحمد، وجعل في قبلة المسجد محاذيا للمحراب في جهة المشرق الشمالي خزانة وَقَّف فيها جملة من الكتب، ووقف الناس؛ فاجتمعت فيها جملة صالحة من الكتب، ورتب في المسجد كرسيا لقراءة"العمدة"الحديثية تفقها، و"الرسالة"، و"المختصر"بين المغرب والعشاء، فالحديث في ليلتي الخميس والجمعة، والفقه في سائر ليالي الأسبوع. وولي تدريس ذلك شيخنا أبو العباس، وكنت أنا القارئ بين يديه. وبعد ذلك التاريخ بقريب تم بناء صومعة المسجد والزاوية الملاصقة له، والميضاة القريبة من مقابلة باب الحفاة الذي تحت الصومعة.
[الكلام على محاريب فاس] :
(1) .كذا في الأصلين المعتمدين، والأظهر أنها: واثنتين وخمسين مثقالا.