ومنها: أنه لما كان المقدم المجاهد المقدام، الشهير الشهيد؛ أبو عبد الله محمد بن الحسن بو الليف من الشهامة والصرامة على ما كان عليه، مع شدة نكايته للعدو الكافر الطنجي، وبعد أثره فيهم، جرت أمور بينه وبين صاحب عمل القصر، فسعي به للسلطان، فأمر برحيله إلى فاس هو وأهله مغربين عن وطنهم كأنهم في سجن، فأقاموا بفاس مدة لا أدري هل هي عام أو أكثر؟، إلا أني كنت أراهم عند الشيخ في سنة [84] ثمان وتسعين وتسعمائة، وأنا إذ ذاك صغير، وضاقت أنفسهم من الاغتراب والاضطراب، وقد أعياهم استصلاح حالهم، فما تهيأ لهم، فقال يوما المقدم عمر لأخيه كبيره المقدم محمد: (( لو زرنا الشيخ اليوم وتبركنا به لعل الله يفرج عنا؛ فإن الناس كثيرا ما تقصده في المهمات؛ فييسر الله تعالى أمورهم، ويقضي حاجاتهم! ) ). فقال له: (( لا أتحرك؛ فقد غلب الإياس ) ). فسار المقدم عمر وحده؛ فلما وصل إلى الشيخ قال له: (( قنطتم؟ ) ). قال له: (( نعم يا سيدي ) ). فقال له الشيخ: (( غدا يخلى سبيلكم إن شاء الله ) ). فرجع إلى أخيه وأخبره.
فلما كان من الغد؛ بعث إليهم القاضي أبو محمد عبد الواحد الحميدي - رحمه الله - فلما جاؤوه؛ قال لهم: (( أبشروا بالسراح والرجوع إلى الوطن إن شاء الله، فإنه قد قرئ الآن بين يدي السلطان بعض الغزوات التي ذكرها ابن النحاس وغناء أبطال المسلمين فيها؛ فقال السلطان - أو غيره - ترى هل بقي في هذا الزمان من يماثلهم؟!. فقالوا: قد بقي من يفعل فعلهم. وها هم أولاء أولاد بو الليف المغربون هنا يفعلون كأفعالهم. فقال السلطان: سرحوهم إلى بلادهم ليحموا ثغورهم، ويشتغلوا بجهادهم. فاعزموا وتوكلوا على الله سبحانه! ) ). فرجعوا إلى بلادهم، وفعلوا الأفاعيل في عدو الدين، إلى أن مات المقدم محمد شهيدا ببندقة رصاص في الجهاد؛ وذلك في ربيع الثاني سنة اثنين وألف.