والحاصل؛ فالتوافق كثير بين تلك الفرق، غير أن الخلاف - وهو الخلاف الجوهري - أن الصوفية يتحركون ويفكرون على منهاج حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسير السلف الصالح من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وعلى مسار القرآن الكريم، أما ما سواهم من المعتزلة والشيعة والباطنية؛ فإنهم قدموا العقل والأهواء إضافة إلى الفلسفات القديمة على شريعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله، فانحرفوا وتزندقوا وبقوا من غير رائد، ومن هنا تخبط كل من تكلم عن التصوف والصوفية ممن لم يشرب مشاربهم، ولم يتذوق معاني كلامهم ويفهم مقاصدهم واستدلالاتهم من المستشرقين وغيرهم، فخلطوا بينهم وبين من ذكر.
وخلاصة هذا المبحث: فإني أرى بأن آئمة آل البيت - عليهم السلام - كانوا يتكلمون بكلمات جامعة عميقة، متناسبة ومقامهم العلمي والروحي، وأن مجالسهم كان يحضرها أناس هم من:
-خاصة الخاصة؛ فهموا أبعاد كلامهم ومدلولاته؛ فكان منهم المحققون من الصوفية.
-وأناس تركوا ما لم يفهموه من علوم الحقائق، واعتكفوا على العلوم الشرعية الواضحة، والتزموا بما فهموه منها؛ فكان منهم علماء الإسلام وظاهر الشريعة.
-وأناس فهموا كلامهم على ظاهر لفظه، وأضافوا إليه استنتاجاتهم الفاسدة، مع ما كانوا عليه من انحطاط الجرثومة والمحتد؛ فكان منهم الباطنية بفرقهم.
-وأناس هم من جنس من سلف، غير أنهم كانوا أقل منهم داء وعطبا، وأكثر اطلاعا على العلوم الشرعية وقواعدها؛ فكان منهم الشيعة الإمامية.
-وأناس تركوا الباطن الذي لم يفهموه، وتأثروا بالمدارس العقلية القديمة، إضافة إلى قلة إلمامهم بعلوم السنة والحديث؛ فنتج منهم المعتزلة والزيدية.
فالطريقة الصوفية هي الامتداد الحقيقي لمذهب آل البيت الكرام، أعني: المحققين من الصوفية، لا أهل الأهواء والبدع ...