ولما كان يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة المؤرخة كما تقدم؛ صنع الشيخ ما جرت به العادة المتقررة كما ذكر، ثم صلى الظهر في المسجد، ثم قام إلى مكانه المعتاد [129] لجلوسه في صدر الزاوية، تجاه الباب الذي في قبلتها، نافذا للمسجد. فجلس هنالك ومعه جماعة من أصحابه، واستمر إلى قرب العصر، واتفق أني جلست مع صاحبنا الأديب البليغ أبي عبد الله محمد بن أحمد المكلاتي - رحمه الله تعالى - في دهليز الدار؛ وهو الذي يقال له في العرف: الأسطوان [1] . عند الباب الأخير القريب من المسجد، على خشبة معروضة هنالك. وكنا نتجاذب أطراف الأحاديث والأخبار، ونتهادى طرف القصائد والأشعار. وإذا بالشيخ قد استقبلنا خارجا من المسجد بين القاضي أبي نصر عبد الوهاب ابن القاضي أبي محمد عبد الواحد الحميدي، والشيخ الصالح الحاج أبي سالم إبراهيم ابن قاسم الأندلسي يعينانه على المشي إلى الدار. فلما رأيناه؛ قمنا نتلقاه، فسارا معه إلى الباب المفضي إلى داخل الدار، وقالا لي: خذ بيدي الشيخ. ورجعا.
فدخلت معه، وتلقانا من حضر من أهل الدار، فدخلنا به إلى فراشه في الجانب الجوفي من بيته الكبير، المقابل للداخل من باب الدار، وإذا به قد عرته رعدة وسكرات يغيب بها عن حسه ثم يفيق، وحضر صلاة العصر؛ فصلى جالسا، ثم استند في فراشه، ورأيته يعد في أصابعه؛ فقلت له: (( يا سيدي؛ لا تتعب نفسك، فإن المرض مسقط للحرج بفضل الله ورحمته! ) )، وحملني على ذلك: الإشفاق عليه، واختبار حاله. فلم يترك ذلك، ثم قال لي: يذكر كل يوم ألف مرة الحمد لله، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة مرة. فقلت له: (( هل أذكر أنا ذلك؟ ) ). فقال لي: (( أذكره: ذكره الشيخ أبو الحسن الشاذلي، وأنا أعطيتك إياه! ) ).
(1) عند فتح باب البيوت القديمة في فاس والمغرب يمر الضيف في دهليز إلى أن يصل لوسط الدار. وهو المسمى بالأسطوان. أو السُطْوان.