فهرس الكتاب
ج / 6 ص -388- وكره التقليد لمن خاف الحيف
وهو أنهم نقلوا عن أصحابنا أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا حتى يعلم من أين قلنا حتى نقل في السراجية أن هذا سبب مخالفة عصام للإمام، وكان يفتي بخلاف قوله كثيرا ; لأنه لم يعلم الدليل، وكان يظهر له دليل غيره فيفتي به فأقول: إن هذا الشرط كان في زمانهم، أما في زماننا فيكتفى بالحفظ كما في القنية وغيرها، فيحل الإفتاء بقول الإمام بل يجب وإن لم نعلم من أين قال وعلى هذا فما صححه في الحاوي مبني على ذلك الشرط، وقد صححوا أن الإفتاء بقول الإمام فينتج من هذا أنه يجب علينا الإفتاء بقول الإمام، وإن أفتى المشايخ بخلافه لأنهم إنما أفتوا بخلافه لفقد شرطه في حقهم وهو الوقوف على دليله، وأما نحن فلنا الإفتاء وإن لم نقف على دليله، وقد وقع للمحقق ابن الهمام في مواضع الرد على المشايخ في الإفتاء بقولهما بأنه لا يعدل عن قوله إلا لضعف دليله، وهو قوي في وقت العشاء لكونه الأحوط وفي تكبير التشريق في آخر وقته إلى آخرها. ذكره في فتح القدير لكن هو أهل للنظر في الدليل، ومن ليس بأهل للنظر فيه فعليه الإفتاء بقول الإمام، والمراد بالأهلية هنا أن يكون عارفا مميزا بين الأقاويل له قدرة على ترجيح بعضها على بعض ولا يصير الرجل أهلا للفتوى ما لم يصر صوابه أكثر من خطئه ; لأن الصواب متى كثر فقد غلب ولا عبرة بالمغلوب بمقابلة الغالب فإن أمور الشرع مبنية على الأعم الأغلب كذا في الولوالجية من كتاب القضاء، وفي مناقب الكردري قال ابن المبارك وقد سئل متى يحل للرجل أن يفتي ويلي القضاء ؟ قال: إذا كان بصيرا بالحديث والرأي عارفا بقول أبي حنيفة حافظا له، وهذا محمول على إحدى الروايتين عن أصحابنا، وقبل استقرار المذاهب أما بعد التقرر فلا حاجة إليه لأنه يمكنه التقليد ا هـ.
ومن العجب ما سمعت من بعض حنفية عصرنا حين تكلمت قديما معه فيها إن قال لما أفتى المشايخ بشيء علمنا أنه قول الإمام فقلت إنه خطأ لأنهم يبينون قول الإمام في ظاهر الرواية، ثم يقولون الفتوى على قول أبي يوسف أو محمد أو زفر، وسمعت من بعضهم أنه يقول الكل عن أبي حنيفة قلت نعم لكن ما خرج عن ظاهر الرواية فهو مرجوع عنه لما قرروه في الأصول من عدم إمكان صدور قولين مختلفين متساويين من مجتهد، والمرجوع عنه لم يبق قولا له كما ذكروه.
"قوله: وكره التقليد لمن خاف الحيف"كي لا يكون ذريعة إلى مباشرة الظلم، وهنا نسختان التقليد أي النصب من السلطان، والتقلد أي قبول تقليد القضاء وهي الأولى، والحيف بمعنى الجور والظلم من حاف عليه يحيف إذا جار وخوف عدم إقامة العدل لعجزه كخوف الجور فلو قال المؤلف لمن خاف الحيف أو العجز لكان أولى ; لأن أحدهما يكفي نص عليه القدوري، والمراد بالكراهة كراهة التحريم ; لأن الغالب الوقوع في محظوره حينئذ، ومحل الكراهة ما إذا