فهرس الكتاب
ج / 8 ص -124- وما أدى المكاتب من الصدقات وعجز طاب لسيده
يثبت من جانبه بالأداء, ولو خرج الدين بعد ذلك يكون لمولى المكاتب ميراثا عن عبده ; لأن صيانة القضاء عن الانتقاض واجب بالإجماع وفسخ الكتابة بعد موت المكاتب مختلف فيه فكان فسخ الكتابة أولى من نقض القضاء ; لأن القضاء بالفعل لا ينفسخ وبالقضاء ظهر العجز مطلقا حتى لو ظهر مال مقدار البدل وأخذه المولى لا يكون بدلا عن الكتابة بخلاف ما قبل القضاء قال في المحيط. وإذا مات المكاتب عاجزا وترك ولدا حرا فظهر للمكاتب وديعة أديت منها كتابته ولا يتحول ولاء الولد إلى مولى الأب ; لأن المودع أقر بشيئين أقر بأنه ملك المكاتب وأقر أن ولاءه تحول فإقراره على نفسه صحيح فيصدق فيه وإقراره بتحول الولاء إلى غيره لا يصدق فيه ألا ترى أن المولى لو أقر أنه استوفى منه بدل الكتابة قبل موته لا يصدق في حق تحول الولاء إلى موالي الأب فكذا هنا, وأما إذا مات لا عن وفاء ولا ولد فاختلفوا في بقاء الكتابة قال الإسكافي تنفسخ حتى لو تطوع له إنسان بأداء بدل الكتابة عنه لا تقبل منه, وقال أبو الليث لا تنفسخ ما لم يقض القاضي بعجزه حتى لو تطوع إنسان عنه قبل القضاء بالفسخ جاز ويحكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته.
قال رحمه الله"وما أدى المكاتب من الصدقات وعجز طاب لسيده"; لأن الملك يتبدل وتبدل الملك كتبدل العين فصار كعين أخرى وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حق بريرة"هي لها صدقة ولنا هدية"1 حين أهدي إليها وكانت مكاتبة فإن قيل إن ملك الرقبة كان للمولى فكيف يتحقق تبدل الملك قلنا ملك الرقبة مغلوبا في مقابلة ملك اليد حتى لو كان للمكاتب أن يمنع المولى من التصرف في ملكه ولم يكن للمولى أن يمنع المكاتب من التصرف وبالعجز ينعكس الحال وليس هذا إلا تبدل الملك للمولى ولئن كان فلا يسلم مثله بمنزلة تبدل العين فصار كالفقير يموت عن صدقة أخذها يطيب ذلك لوارثه الغني لما ذكرنا. وكذا إذا استغنى الفقير يطيب له ما أخذ من الزكاة, وكذا ابن السبيل إذا وصل إلى بلده وفي يده مال من الصدقة ; لأن المحرم عليه ابتداء الأخذ لما فيه من الذل فلا يرخص من غير ضرورة, ولو أباح الفقير للغني أو الهاشمي عين ما أخذ من الزكاة لم يحل له ; لأن الملك لم يتبدل ولك أن تقول المحرم ابتداء الأخذ إلى آخره فعلى هذا لو أباح الفقير للغني أو الهاشمي ينبغي أن يطيب له ; لأنه لم يوجد منهما ابتداء الفعل المحرم المقترن بالإذلال قلنا إن لم يوجد منهما الأخذ من يد المتصدق وجد منهما الأخذ من يد الفقير فقد تحقق في حقهما سبب الخبث ولك أن تقول ليس المحرم نفس الأخذ فقط, بل نفس الأخذ المقرون بالإذلال فينبغي أن لا يكون خبيثا ونظيره المشتري شراء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه مسلم في صحيحه"2/4411".