فهرس الكتاب
ج / 9 ص -51-
والسابع في حكمها. أما الأول فهو معرفة مشروعيتها لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة: من الآية178] الآية. وقوله صلى الله عليه وسلم:"العمد قود والقتل عدوان"1 وسبب مشروعية القصاص رفع الفساد في الأرض وأما معناها لغة فهي في اللغة اسم لما يجنيه المرء من شر وما اكتسبه تسمية للمصدر من جنى عليه شرا وهو عام إلا أنه خص بما يحرم من الفعل وأصله من جنى الثمر وهو أخذه من الشجرة وأما في الشرع فهو اسم لفعل محرم شرعا سواء كان من مال أو نفس لكنه في عرف الفقهاء يراد به عند إطلاقه اسم الجناية الواقعة في النفس والأطراف من الآدمي والجناية الواقعة في المال تسمى غصبا والجناية الواقعة من المحرم أو في الحرم على الصيد جناية المحرم. وأما ركنه فهو القتل وهو فعل مضاف إلى العباد تزول به الحياة بمجرد العادة. وأما شرطه فالمماثلة والمعادلة في الاستيفاء؛ لأن المماثلة مشروطة في أجزية السيئات وضمان العدوانات لقوله تعالى {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} الأنعام: من الآية160] ولأن في إيجاب الناقض بخسا بحق المظلوم. وفي إيجاب الزيادة جور على الظالم والنجس غير مشروع والحيف حرام فكان الإنصاف والانتصاف في إيجاب المماثلة إلا أنه سقط اعتبار المماثلة في محال الأفعال في الأنفس في نوع ضرورة وهو أن قتل الواحد بطريق الاجتماع غالب وجودا ويظهر من الأفراد نادرا وقوعها فقتل الجماعة بالواحد، ولو اعتبرنا المماثلة في محل الأفعال لأدى إلى فتح باب العدوان وسد باب القصاص وأية فائدة في شرع القصاص فسقط اعتبار المماثلة في الأنفس للضرورة وبقيت المماثلة في الأطراف معتبرة، فإن الإجماع على إتلاف الطرف ليس بغالب بل هو نادر.
وأما حكمه فهو وجوب القصاص والدية والإثم،
قال محمد رحمه الله تعالى القتل على ثلاثة أوجه: عمد وخطأ وشبه عمد،
فالعمد وهو أن يتعمد ضربه بسلاح وما يجري مجراه مما له حد يقطع ويجرح؛ لأن العمد والقصد مما لا يوقف عليه ولكن الضرب بآلة جارحة قابلة قاطعة دليل على القتل فيقام مقام العمد، ثم آلة القتل على ضربين آلة السلاح وغير السلاح أما السلاح فكل آلة جارحة كالسيف والسكين ونحوهما فيقتل به وهو عمد محض، ولو قتله بحديد لا حد له، نحو أن يضربه بعمود أو بصنجة حديد أو نحاس أو صفر فعلى رواية الطحاوي يكون عمدا محضا؛ لأن الحديد إذا لم يجرح يكون عمدا لقوله عليه الصلاة والسلام:"لا قود إلا من حديد"2 والحديد أصل في القتل به وأنه منصوص عليه في إيجاب القود به والحكم في المنصوص عليه يتعلق بعين النص لا بالمعنى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ذكره الزيلعي في"نصب الراية""4/427"بلفظ"العمد قود والخطأ دية".
2 أخرجه الدارقطني في"سننه""3/87".