فهرس الكتاب
ج / 9 ص -58-
قوله عليه الصلاة والسلام"لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك"1 أي لا تأخذ إلا سلمك عند المضي في العقد ولا تأخذ إلا رأس مالك عند التفاسخ فخيره ومعلوم أنه لا يأخذ رأس ماله إلا برضا الآخر؛ لأن الفسخ لا يتم إلا باتفاقهم، فإذا كان المراد بالحديث ذلك أو احتمله لا يبقى حجة، والذي يدلك على ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال كان القصاص في بني إسرائيل، ولم تكن الدية فأنزل الله هذه الآية {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: من الآية178] إلى قوله {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: من الآية178] والعفو في أن يقبل الدية في العمد {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ} فيما كان كتب على من كان قبلكم فأخبر أن بني إسرائيل لم تكن فيهم دية أي كان ذلك حراما عليهم أخذه عوضا عن الآدمي ويتركوه فخفف الله تعالى عن هذه الأمة ونسخ ذلك بقوله تعالى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} الآية ونبه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الجهة بل بينها بقوله:"من قتل له قتيل فهو بالخيار بين أن يقتص أو يعفو ويأخذ الدية التي أبيحت لهذه الأمة"2 وجعل لهم أخذها إذا أعطوها وعن أنس بن مالك أن عمة الربيع لطمت جارية فكسرت ثنيتها، فقال عليه الصلاة والسلام حين اختصموا إليه:"كتب الله القصاص"3، ولم يخير، ولو كان المال واجبا به لخير إذ من وجب له أخذ شيئين على الخيار لا يحكم له بأحدهما معينا وإنما يحكم بأن يختار أيهما شاء والذي يحققه أن الولي إن عفا عن القصاص قبل اختيار القصاص صح عفوه. ولو لم يكن هو الواجب بالقتل لما صح عفوه قبل تعينه واختياره إذ العفو عن الشيء قبل وجوبه باطل، فإن كان القصاص هو الواجب الأصلي لا ينفرد الولي بالعدول عنه إلى المال بدلا عنه؛ لأنه معاوضة ولا يجبر أحد على المعاوضة كما في سائر الحقوق ولهذا لو ترك المولى القصاص بمال آخر غير الدية كالدار ونحوها من الأعيان لا يجبر القاتل على الدفع وأن فيه إحياء نفسه ولا نسلم أن المضطر الذي ذكره يجبر على الشراء بحيث يدخل في ملكه من غير رضاه وإنما نقول يأثم إذا ترك الشراء مع القدرة عليه ومات، وكذا نقول هنا أيضا يأثم، ثم إذا لم يخلص نفسه مع القدرة عليه. وقوله والآدمي قد يضمن بالمال كما في الخطإ قلنا وجوب الضمان في الخطإ ضرورة صون الدم عن الإهدار باعتبار أنه مثل له، وهذا لأنه لما تعذر العقوبة وهو القصاص لعدم الجناية صير إليه لصون الدم عن الإهدار، ولولا ذلك لتخلط كثير من الناس وأدى إلى التفاني ولأن النفس محترمة فلا تسقط حرمتها بعذر الخاطئ كما في المال فيجب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه ابن أبي شيبة في"مصنفه""4/270"وابن حجر في الدراية وقال لم أجده بهذا اللفظ"2/140".
2 أخرجه الترمذي في الديات عن رسول الله،"1406"وأبو داود في الديات"4496".
3 أخرجه البخاري في تفسير القرآن"4500"والنسائي في القسامة"4757".