الصفحة 103 من 317

الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) [1] . ومعرفة المؤمنين للمنافقين فيها فوائد لا تحصى، فإنهم العدو الداخلي وخطرهم يفوق خطر العدو الخارجي أحيانًا. فإذا عرفوا منعوا من الغزو مع المسلمين ولا يستمع المؤمنون لما يعرضونه عليهم من أراجيف وتثبيط ومن أقاويل يلبسونها ثياب النصح والإصلاح وجاهدهم المؤمنون بما أمرهم الله به (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [2] .

2 -تمحيص المؤمنين من ذنوبهم فإن المجاهد المسلم إذا أخلص النية لله إذا حضر المعركة فقتل الكفار نال ثوابًا عظيمًا كما جاء في الحديث لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدًا [3] . وإذا خالط قلبه الرهج والخوف في سبيل الله تحاتت عنه خطاياه كما سيأتي في فضائل الجهاد وأما إذا قتله الكفار فذلك الفوز الذي لا يعدله فوز. الشهادة وما أدراك ما الشهادة.

يقول صلى الله عليه وسلم ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة [4] . وسيأتي بيان فضائل الشهداء إن شاء الله وإنما المقصود هنا أن الشهادة في سبيل الله وتكفير الذنوب هدف رفيع وفائدة عظيمة تعود على المسلمين من جهادهم. يقول تعالى: (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [5] . وقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم هذا الهدف الرفيع وهو تمحيص الذنوب وهذه الفائدة العظيمة والمنزلة الرفيعة وهي الشهادة فشمروا وتسابقوا للفوز بذلك يقول ابن إسحاق عن أصحاب غزوة مؤتة (ثم مضوا حتى نزلوا معانًا من أرض الشام فبلغ الناس أن هرقل قد نزل من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له قال فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنين إما ظهور وإما شهادة قال فقال الناس قد والله صدق ابن رواحة فمضى الناس) [6] . (ولما صاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المشركين في بدر قال لأصحابه قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرص قال عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض قال نعم قال بخ بخ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحمك على قول بخ بخ قال لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها قال فإنك من أهلها فأخرج تمرات من قرنه ثم جعل يأكل منهن) ثم قال لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم وهو يقول:

(1) محمد: 20.

(2) التوبة: 73.

(3) سنن أبي داود مع عون المعبود (7: 172) .

(4) صحيح البخاري مع الفتح (6: 32) .

(5) آل عمران: 140 - 142.

(6) البداية والنهاية (4: 243) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت