فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقد أمر الله رسوله بجهاد المنافقين مع الكفار فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [1] .
والجهاد إذا أطلق من غير قرينة ينصرف إلى الجهاد بالسيف كما تقدم في تعريف الجهاد. وهذه الآية الكريمة لم تفرق بين جهاد الكفار وجهاد المنافقين فدل على أن المنافقين إذا عرفوا يجاهدون بالسيف كالكفار وبهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ورجحه ابن جرير الطبري رحمه الله فقال: (وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب ما قال ابن مسعود من أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم من جهاد المنافقين بنحو الذي أمره به من جهاد المشركين) [2] . وبنحو هذا قال ابن رجب الحنبلي إذ قال: (والذي يظهر أن في القرآن أربعة سيوف: سيف على المشركين حتى يسلموا أو يؤسروا فإما منا بعد وإما فداء وسيف على المنافقين وهو سيف الزنادقة وقد أمر الله بجهادهم والإغلاظ عليهم في سورة براءة وسورة التحريم وآخر سورة الأحزاب وسيف على أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية وسيف على أهل البغي وهو المذكور في سورة الحجرات) [3] . وقال ابن تيمية (وجملة ذلك أنه لما نزلت براءة أمر أن يبتدئ جميع الكفار بالقتال وثنيهم وكتابيهم سواء كفوا عنه أو لم يكفوا وأن ينبذ إليهم تلك العهود المطلقة التي كانت بينه وبينهم وقيل له فيها(جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) بعد أن كان قد قيل له (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم) ولهذا قال زيد بن أسلم نسخت هذه الآية ما كان قبلها فأما قبل براءة وقبل بدر فقد كان مأمورًا بالصبر على أذاهم والعفو عنهم وأما بعد بدر وقبل براءة فقد كان يقاتل من يؤذيه ويمسك عمن سالمه كما فعل بابن الأشرف وغيره ممن كان يؤذيه. فبدر كانت أساس عز الدين وفتح مكة كانت كمال عز الدين فكانوا قبل بدر يسمعون الأذى الظاهر ويؤمرون بالصبر عليه وبعد بدر يؤذون في السر من جهة المنافقين وغيرهم فيؤمرون بالصبر عليه وفي تبوك أمروا بالإغلاظ للكفار والمنافقين فلم يتمكن بعدها كافر ولا منافق من أذاهم في مجلس خاص ولا عام بل مات بغيظه لعلمه بأن يقتل إذا تكلم) [4] . فقول ابن تيمية هذا يدل على أنه يرى أنه بعد نزول آية التوبة الآمر بجهاد المنافقين أن جهاد المنافقين يكون بالسيف إذا علم نفاقهم وكانت المصلحة في جهادهم. وقد صرح بهذا في موضع آخر فقال: (فحيث ما كان للمنافق ظهور وتخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه عملنا بآية(دع أذاهم) كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكف عنهم والصفح وحيث ما حصل القوة والعز خوطبنا بقوله"جاهد الكفار والمنافقين" [5] .
وقال ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) "أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال"
(1) التوبة: 73.
(2) تفسير الطبري (6: 127) .
(3) رسالة الحكم الجديرة بالإذاعة (ص112) .
(4) الصارم المسلول لابن تيمية (ص220) .
(5) الصارم المسلول لابن تيمية (ص359) .