الصفحة 126 من 317

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف"سيف للمشركين"فإذا انسلخ الأشهر الحرام فاقتلوا المشركين"وسيف لكفار أهل الكتاب"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"وسيف للمنافقين"جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم"وسيف للبغاة"فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله"وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيف إذا أظهروا النفاق وهو اختيار ابن جرير. وقال ابن مسعود في قوله تعالى:"جاهد الكفار والمنافقين"قال بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه [1] . وقال ابن عباس أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وأذهب الرفق بهم وقال الضحاك جاهد الكفار بالسيف واغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم وعن مقاتل والربيع مثله وقال الحسن وقتادة مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم. وقد يقال إنه لا منافاة بين هذه الأقوال لأنه تارة يؤاخذهم بهذا وتارة بهذا بحسب الأحوال) [2] ."

وقد اختلف العلماء رحمهم الله في السبب الذي لأجله ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم جهاد المنافقين في عهده بالسيف. فقال الطبري: (فإن قال قائل فكيف تركهم صلى الله عليه وسلم مقيمين بين أظهر أصحابه مع علمه بهم قيل إن الله تعالى ذكره إنما أمر بقتال من أظهر منهم كلمة الكفر ثم أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك وأما من إذا اطلع عليه منهم أنه تكلم بكلمة الكفر وأخذ بها أنكرها ورجع عنها وقال إني مسلم فإن حكم الله في كل من أظهر الإسلام بلسانه أن يحقن بذلك له دمه وماله وإن كان معتقدًا غير ذلك وتوكل هو جل ثناؤه بسرائرهم ولم يجعل للخلق البحث عن السرائر فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بهم وإطلاع الله إياه على ضمائرهم واعتقاد صدورهم كان يقرهم بين أظهر الصحابة ولا يسلك بجهادهم مسلك جهاد من قد ناصبه الحرب على الشرك بالله لأن أحدهم كان إذا اطلع عليه أنه قال قولًا كفر فيه بالله ثم أخذ به أنكره وأظهر الإسلام بلسانه فلم يكن صلى الله عليه وسلم يأخذه إلا بما أظهر له من قوله عند حضوره إياه وعزمه على إمضاء الحكم فيه دون ما سلف من قول كان نطق به قبل ذلك ودون اعتقاد ضميره الذي لم يبح الله لأحد الأخذ به في الحكم وتولى الأخذ به هو دون خلقه) [3] .

قلت ومن تعليل الطبري هذا مع ترجيحه لجهاد المنافقين بالسيف يظهر أنه لا فرق عنده بين المرتدين والمنافقين الذين يجاهدون بالسيف والصحيح أن بينهما فرقًا فإن المرتد لا يتخفى باعتقاده والمنافق يتخفى باعتقاده بحجة قاطعة لا تقبل الشك أما عند الاحتمال فلا يجاهد بالسيف وقال القرطبي: (واختلف العلماء في إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع علمه بنفاقهم على أربعة أقوال:

(1) قال بعض العلماء إنما لم يقتلهم لأنه لم يعلم حالهم أحد سواه وقد اتفق العلماء على بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه وإن اختلفوا في سائر الأحكام.

(1) قول ابن مسعود (فبقلبه فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه) غير واضح لي لأن القلب لا سلطة لأحد عليه وما في القلب آخر درجات الجهاد والإنكار كما ثبت في الأحاديث ويبدو أن في النقل عن ابن مسعود تصحيفًا وفي الكلام تقديما وتأخيرًا.

(2) تفسير ابن كثير (4: 118 - 119) .

(3) تفسير الطبري (6: 127) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت