فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
(2) قال أصحاب الشافعي إنما لم يقتلهم لأن الزنديق وهو الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان يستتاب ولا يقتل. قال ابن العربي وهذا وهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستتبهم ولا نقل ذلك أحد ..
(3) إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه: قال القرطبي: (وهذا قول علمائنا وغيرهم) قال ابن عطية: (وهي طريقة أصحاب مالك رحمه الله في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ... ) قال مالك: (النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة وهو أحد قولي الشافعي) . قال مالك: (وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذا لم يشهد على المنافقين ... ) وقال الشافعي محتجًا للقول الآخر: (السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن بالإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه وبه قال أصحاب الرأي وأحمد والطبري وغيرهم. قال الشافعي وأصحابه وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم لأن ما يظهرونه يجب ما قبله ... ) .
(4) وهو أن الله تعالى كان قد حفظ أصحاب نبيه عليه السلام بكونه ثبتهم أن يفسدهم المنافقون أو يفسدوا دينهم فلم يكن في تبقيتهم ضرر وليس كذلك اليوم لأنا لا نأمن من الزنادقة أن يفسدوا عامتنا وجهالنا) [1] . وقال ابن تيمية رحمه الله: (فإن قيل فلم لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بنفاق بعضهم وقبل علانيتهم؟ قلنا إنما ذاك لوجهين:
أحدهما أن عامتهم لم يكن ما يتكلمون به من الكفر مما يثبت عليهم بالبينة بل كانوا يظهرون الإسلام ونفاقهم يعرف تارة بالكلمة يسمعها الرجل المؤمن فينقلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيحلفون بالله أنهم ما قالوها أو لا يحلفون وتارة بما يظهر من تأخرهم عن الصلاة والجهاد واستثقالهم للزكاة وظهور الكراهة منهم لكثير من أحكام الله وعامتهم يعرفون من لحن القول كما قال الله (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ، وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) فأخبر سبحانه أنه لو شاء لعرفهم رسوله بالسيما في وجوههم ثم قال: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) فأقسم أنه لا بد أن يعرفهم في لحن القول ومنهم من كان يقول القول أو يعمل العمل فينزل القرآن بخبران صاحب ذلك القول والعمل منهم كما في سورة براءة ومنهم من كان المسلمون أيضًا يعلمون كثيرًا منهم بالشواهد والدلالات والقرائن والأمارات ومنهم من لم يكن يعرف كما قال تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) ثم جميع هؤلاء المنافقين يظهرون الإسلام ويحلفون أنهم مسلمون وقد اتخذوا أيمانهم جنة وإذا كانت هذه حالهم فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقيم الحدود بعلمه ولا بخبر الواحد ولا بمجرد الوحي ولا بالدلائل والشواهد حتى يثبت الموجب للحد ببينة أو إقرار؛ ألا ترى كيف أخبر عن المرأة الملاعنة أنها إن جاءت بالولد على نعت كذا وكذا فهو للذي رميت به وجاءت به على النعت المكروه فقال:"لولا الأيمان لكان لي ولها شأن". وكانت بالمدينة امرأة تعلن الشر فقال:"لو كنت راجمًا أحدًا من غير بينة لرجمتها"وقال للذين اختصموا إليه"إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار"فكان ترك قتلهم مع كونهم كفارًا لعدم ظهور الكفر منهم بحجة شرعية ويدل على هذا أنه لم يستتبهم على التعيين ومن المعلوم أن أحسن
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1: 198 - 200) .