الصفحة 128 من 317

حال من ثبت نفاقه وزندقته أن يستتاب كالمرتد فإن تاب وإلا قتل ولم يبلغنا أنه استتاب واحدًا بعينه منهم فعلم أن الكفر والردة لم يثبت على واحد بعينه ثبوتًا يوجب أن يقتل كالمرتد ولهذا تقبل علانيتهم وتكل سرائرهم إلى الله ... والزنديق والمنافق إنما يقتل إذا تكلم بكلمة الكفر وقامت عليه بذلك بينة وهذا حكم بالظاهر لا بالباطن وبهذا الجواب يظهر فقه المسألة.

الوجه الثاني: أنه عليه الصلاة والسلام كان يخاف أن يتولد من قتلهم من الفساد أكثر مما في استبقائهم وقد بين ذلك حين قال:"لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"وقال:"إذًا ترعد له آنف كثيرة بيثرب"فإنه لو قتلهم بما يعلمه من كفرهم لأوشك أن يظن الظان أنه إنما قتلهم لأغراض وأحقاد وإنما قصده الاستعانة بهم على الملك كما قال:"أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم"وأن يخاف من يريد الدخول في الإسلام أن يقتل مع إظهاره الإسلام كما قتل غيره. وقد كان أيضًا يغضب لقتل بعضهم قبيلته وأناس آخرون فيكون ذلك سببًا للفتنة واعتبر ذلك بما جرى في قصة عبد الله بن أبي لما عرّض سعد بن معاذ بقتله خاصم له أناس صالحون وأخذتهم الحمية حتى سكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استأذنه عمر في قتل ابن أبي قال أصحابنا ونحن الآن إذا خفنا مثل ذلك كففنا عن القتل. فحاصله أن الحد لم يقم على واحد بعينه لعدم ظهوره بالحجة الشرعية التي يعلمه بها الخاص والعام أو لعدم إمكان إقامته إلا مع تنفير أقوام عن الدخول في الإسلام وارتداد آخرين عنه وإظهار قوم من الحرب والفتنة ما يربى فساده على فساد ترك قتل منافق وهذان المعنيان حكمهما باق إلى يومنا هذا) [1] .

وأما ابن حزم فإنه يعلل عدم قتل الرسول صلى الله عليه وسلم للمنافقين في عهده بأن المنافقين في عهده صنفان. صنف لم يعلم صلى الله عليه وسلم أعيانهم وصنف علم أعيانهم ثم تابوا ولم يقطع بأن توبتهم غير صحيحة لذلك لم يقتلهم. وقد أطال في إبطال كل ما يعارض قوله هذا [2] . ويرد على ابن حزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استأذنه بعض الصحابة في قتل المنافقين لم يقل لهم إنهم تابوا ولا سبيل إلى قتل التائب من المنافقين بل علل بعلة أرى فكيف إذًا يترك ابن حزم ظاهر قول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ظاهري .. وبهذا يظهر أن المنافق إذا ظهر نفاقه وثبت ببينة شرعية يقام بها الحد قتل بالسيف وهذا هو جهاده الثابت في سورة براءة وهي آخر القرآن نزولًا فإن أنكر أنه كفر بعد قيام البينة عليه فلا يستتاب بل يقتل. أما إن أقر فإنه يستتاب وكذلك من تكررت ردته مرارًا كثيرة فإن ذلك متلاعب بدينه فاسد الطوية يقتل ولا يستتاب. يقول ابن تيمية في تقرير ما سبق (ويدل على المسألة ما روى أبو إدريس قال أتى علي رضي الله عنه بناس من الزنادقة ارتدوا عن الإسلام فسألهم فجحدوا فقامت عليهم البينة العدول قال فقتلهم ولم يستتبهم قال وأتى برجل كان نصرانيًا وأسلم ثم رجع عن الإسلام قال فسأله فأقر بما كان منه فاستتابه فتركه فقيل له كيف تستتيب هذا ولم تستتب أولئك قال إن هذا أقر بما كان منه وإن أولئك لم يقروا وجحدوا حتى قامت عليهم البينة فلذلك لم أستتبهم رواه الإمام أحمد ... فهذا من أمير المؤمنين علي بيان أن كل زنديق كتم زندقته وجحدها حتى قامت عليه البينة قتل ولم يستتب وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل من جحد زندقته من المنافقين لعدم قيام البينة ويدل على ذلك قوله تعالى:(وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) إلى

(1) الصارم المسلول (ص355 - 358) .

(2) انظر المحلى لابن حزم (11: 212) وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت