متوافقة فيما بينها اجتمعت وتألفت وامتازت من بين طوائف أخرى لاشتراكها في بعض الأمور الجوهرية فالطائفة التي تكون أمة بهذا المعنى لا يبعثها على استخدام السيف إلا أمران: إما أن يعتدي عليها معتد ويريد أن يسلبها حقوقها المعروفة، وإما أن تحمل هي بنفسها على طائفة أخرى لتنتزع من يدها حقوقها المعروفة ففي الصورة الأولى منهما لها سعة في الأمر وهي لا تخلو من وازع خلقي يلجئها إلى استخدام السيف والبطش بمن اعتدى عليها وإن كان بعض المتشدقين بالأمن والسلام لا يبيح ذلك أيضًا.
أما الصورة الثانية: أي الاعتداء على حقوق غيرها والإغارة على الشعوب والأمم من غير ما سبب لا يبيحها غير بعض الجبابرة المسيطرون حتى أن ساسة الدولة الكبرى كبريطانيا وأمريكا أيضًا لا يقدرون أن يجترئوا على القول بجوازها. فإن كان الإسلام نحلة كالنحل الأخرى والمسلمون أمة كغيرهم من أمم العالم فلا جرم أن الجهاد الإسلامي يفقد بذلك جميع المزايا والخصائص التي جعلته رأس العبادات ودرة تاجها لكن الحقيقة أن الإسلام ليس بنحلة كالنحل الرائجة وأن المسلمين ليسوا بأمة كأمم العالم بل الأمر أن الإسلام فكرة [1] انقلابية ومنهاج انقلابي يريد أن يهدم نظام العالم الاجتماعي بأسره ويأتي بنيانه من القواعد ويؤسس بنيانه من جديد حسب فكرته ومنهاجه العملي ومن هناك تعرف أن لفظ المسلم وصف للحزب الانقلابي العالمي الذي يكونه الإسلام وينظم صفوفه ليكون أداة في إحداث ذلك البرنامج الانقلابي الذي يرمي إليه الإسلام ويطمح إليه ببصره، والجهاد عبارة عن الكفاح الانقلابي عن تلك الحركة الدائبة المستمرة التي يقام بها للوصول إلى هذه الغاية وإدراك هذا المبتغى .. إن الإسلام ليس بمجرد مجموعة من العقيدة الكلامية وجملة من المناسك والشعائر كما يفهم من معنى الدين في هذه الأيام بل الحق أنه نظام كلي شامل يريد أن يقضي على سائر النظم الباطلة، الجائرة الجارية في العالم ويقطع دابرها ويستبدل لها نظامًا صالحًا ومنهاجًا معتدلًا يرى أنه خير للإنسانية من النظم الأخرى وأنه فيه نجاة للجنس البشري من أدواء الشر والطغيان وسعادة له وفلاحًا في العاجلة والآجلة معًا [2] . غاب عن تلاميذ المدرسة العقلية الحديثة هذا المفهوم للجهاد أو أرادوا صرف المسلمين عن هذا الهدف فإن بعض الباحثين المعاصرين أثبتوا بالأدلة العلمية بأن رواد المدرسة العقلية كانوا على تفاهم مع الاستعمار وأدواته مع الصهيونية والماسونية لأجل صرف المسلمين عن المفاهيم الصحيحة للإسلام وتقريب المفاهيم الإسلامية من المفاهيم الأوروبية ومن هؤلاء الباحثين الأستاذ غازي التوبة في كتابه الفكر الإسلامي المعاصر -دراسة وتقويم- والدكتور محمد محمد حسين في كتابيه الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، والإسلام والحضارة الغربية، والأستاذ فهد الرومي في كتابه (منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير) يقول الأستاذ فهد الرومي: وخلاصة ما نقلنا من نقد لهم هنا أنهم:
1 -غير ملتزمين للشعائر الإسلامية من صلاة أو حج .. الخ.
2 -أن تعاونهم مع الاحتلال ودول الاستعمار إما لأنهم عملاء كما يقول بعض النقاد أو سذاجة منهم كما يقول آخرون.
3 -أن لهم دعوة باطنية يظهرون منها ما يخالف حقيقتها وباطنها.
(1) الأولى أن يقول عقيدة.
(2) الجهاد للمودودي ص 10، 12، 31.