ابتدع تلاميذ المستشرقين ومن سار على نهجهم بدعة منكرة تخالف الكتاب العزيز والسنة الصحيحة وإجماع سلف الأمة وهذه البدعة هي أن الجهاد في الإسلام للدفاع فقط وأن المسلمين لا يجوز لهم أن يغزوا الكفار لأجل إخضاعهم لسلطان الإسلام وإعلاء كلمة الله على كلمتهم إلا إذا سبق الكفار بالاعتداء على المسلمين [1] ، وهذه البدعة المنكرة لم يقلها أحد من علماء المسلمين المعتبرين وأول ما ظهرت فيما أعلم على أيدي تلاميذ المدرسة العقلية الحديثة التي من أشهر رجالها: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. وتلاميذ هذه المدرسة أعجبوا بما عند الغرب من مفاهيم في الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية فبذلوا قصارى جهودهم ليوضحوا للناس أن هذه المفاهيم موجود مثلها وأفضل منها في الإسلام. ولقد كان أعداء الإسلام من مبشرين ومستشرقين يحملون على الإسلام حملة شعواء قوامها أن الإسلام انتشر بالسيف بينما انتشرت المسيحية بالمحبة والسلام فأراد هؤلاء أن ينفوا التهمة عن الإسلام فقالوا: إن الإسلام لا يستخدم السيف إلا للدفاع فحسب وقد غاب عن أذهانهم الفرق بين أهداف الجهاد في الإسلام وأهداف الحروب الأخرى التي يعرفها الناس في جاهلياتهم والتي عرفتها أوروبا في تاريخها كله. والسبب الذي لأجله غاب عنهم وعن غيرهم من كثير من أعداء الإسلام ومن أبنائه الفرق بين جهاد الإسلام وبين حرب الكفار يوضحه أبو الأعلى المودودي فيقول: ( .. لكنا إذا أنعمنا النظر في المسألة من الوجهة العلمية ودققنا النظر في الأسباب التي أشكل لأجلها استجلاء حقيقة الجهاد في سبيل الله واستكناه سرها على المسلمين أنفسهم فضلًا عن غير المسلمين لاح لنا أن مرجع هذا الخطأ إلى أمرين مهمين لم يسبروا غورهما ولم يدركوا مغزاهما على وجه الحقيقة. فالأول أنهم ظنوا الإسلام نحلة بالمعنى الذي تطلق عليه النحلة عامة. الثاني أنهم حسبوا المسلمين أمة بالمعنى الذي تستعمل فيه هذه الكلمة في عامة الأحوال فالحقيقة أن خطأ القوم في فهم هذين الأمرين المهمين وعدم استجلائهم لوجه الحق في هاتين المسألتين الأساسيتين هو الذي شوه وجه الحقيقة، الناصعة في هذا الشأن وعاقهم عن إدراك مغزى الجهاد الإسلامي بل الحق والحق أحق أن يتبع أن هذا الخطأ الأساسي في فهم هاتين المسألتين قد أرخى سدوله على حقيقة الدين الإسلامي بأسره وقلب الأمر ظهرًا لبطن وجعل موقف المسلمين من العالم ومسائله المتجددة ومشاكله المتشعبة حرجًا ضيقًا لا يرضاه الإسلام وتعاليمه الخالدة. فالنحلة على حسب الاصطلاح الشائع عندهم لا يراد بها إلا مجموعة من العقائد والعبادات والشعائر. ولا جرم أن النحلة بهذا المعنى لا تعدو أن تكون مسألة شخصية فأنت حر في ما تختاره من العقيدة ولك الخيار في أن تعبد بأي طريق شئت من رضيت به ربًا لنفسك وإن أبت نفسك إلا التحمس لهذه النحلة والانتصار لعقيدتها فلك أن تخترق الأرض وتجوب بلاد الله الشاسعة داعيًا إلى عقيدتك مدافعًا عن كيانها بالحجج والبراهين مجادلًا من يخالفونك فيها بمرهفات الألسنة وأسنة الأقلام، أما السيف وآلات الحرب والقتال فما لك ولها في هذا الشأن أتريد أن تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين بعقيدتك وإن كان الإسلام نحلة كنحل العالم على حسب الاصطلاح الشائع عندهم كما يزعمون فالظاهر أنه لا شأن فيها للسيف وأدوات الحرب كما قالوا. ولو كان موقف الإسلام في نفس الأمر كما زعموا ووصفوا لما كان فيه مساغ للجهاد ولم يكن من الإسلام في ورد ولا صدر لكن الأمر على خلاف ذلك كما سوف تعرفه في ما يأتي من البيان وكذلك كلمة(الأمة) فما هي إلا عبارة عن طائفة من الناس
(1) سوف يأتي في صلب هذا البحث أسماء بعض المؤلفات التي قال أصحابها بهذا القول.