الصفحة 223 من 317

قتلته سريحًا أو أطلقته نجيحًا وعن أبي موسى أنه قتل دهقان السويس بعدما أعطاه الأمان على قوم سماهم ونسي نفسه فلم يدخلها في الأمان فقتله فهذه آثار متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة في جواز قتل الأسير وفي استبقائه واتفق فقهاء الأمصار على ذلك) [1] .

وقال السيوطي (وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر وابن مردويه عن ليث رضي الله عنه قال: قلت لمجاهد بلغني أن ابن عباس رضي الله عنهما قال لا يحل قتل الأسارى لأن الله تعالى قال فإما منًا بعد وإما فداء فقال مجاهد لا تعبأ بهذا شيئًا أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم ينكر هذا ويقول هذه منسوخة إنما كانت في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين فأما اليوم فلا؛ يقول الله:(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) ، (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) فإن كانوا من مشركي العرب لم يقبل منهم شيء إلا الإسلام فإن لم يسلموا فالقتل وأما من سواهم فإنهم إذا أسروا فالمسلمون فيهم بالخيار إن شاءوا قتلوهم وإن شاءوا استحيوهم وإن شاءوا فادوهم إذا لم يتحولوا عن دينهم فإن أظهروا الإسلام لم يفادوا، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الصغير والمرأة والشيخ الفاني) [2] ، وقال الشوكاني: (والحاصل أنه قد ثبت في جنس أسارى الكفار جواز القتل والمن والفداء والاسترقاق فمن ادعى أن بعض هذه الأمور يختص ببعض الكفار دون بعض لم يقبل منه ذلك إلا بدليل ناهض يخصص العمومات) [3] .

وقال ابن قدامة: (من أسر من أهل الحرب على ثلاثة: أحدها: النساء والصبيان فلا يجوز قتلهم ويصيرون رقيقًا للمسلمين بنفس السبي لأن النبي صلى الله عليه وسلم"نهى عن قتل النساء والولدان"متفق عليه، وكان عليه السلام يسترقهم إذا سباهم.

الثاني: الرجال من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية فيخير الإمام فيهم بين أربعة أشياء القتل والمن بغير عوض والمفاداة بهم واسترقاقهم.

الثالث: الرجال من عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يقر بالجزية فيتخير الإمام فيهم بين ثلاثة أشياء القتل أو المن أو المفاداة ولا يجوز استرقاقهم. وعن أحمد جواز استرقاقهم وهو مذهب الشافعي. وبما ذكرنا في أهل الكتاب قال الأوزاعي والشافعي وأبو ثور وعن مالك كمذهبنا وعنه لا يجوز المن بغير عوض لأنه لا مصلحة فيه وإنما يجوز للإمام فعل ما فيه المصلحة، وحكى عن الحسن وعطاء وسعيد بن جبير كراهة قتل الأسرى وقالوا: لو منّ عليه أو فاداه كما صنع بأسارى بدر ولأن الله تعالى قال: (فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء) فخير بين هذين بعد الأسر لا غير، وقال أصحاب الرأي: إن شاء ضرب أعناقهم وإن شاء استرقهم لا غير ولا يجوز منّ ولا فداء لأن الله تعالى قال: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) بعد قوله: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء) وكان عمر بن عبد العزيز وعياض بن عقبة يقتلان الأسارى ولنا على جواز المن والفداء قول الله تعالى: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء) وأن النبي صلى الله عليه وسلم منّ على ثمامة بن أثال وأبي عزة

(1) أحكام القرآن للجصاص 3/ 391.

(2) الدر المنثور للسيوطي 6/ 46.

(3) نيل الأوطار للشوكاني 8/ 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت