فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
تقدم- فالمفهوم من هذا الحديث أن من قاتل لكي تكون كلمة الوطن هي العليا فقتاله في سبيل الشيطان وميتته ميتة جاهلية. يقول الأستاذ محمد قطب عن هدف تصدير الكفار لشعار الوطنية إلى الأمة الإسلامية ما يلي: (وقد كانت دعاوى القومية والوطنية المصدرة عن عمد إلى العالم الإسلامي من بين وسائل الغزو الفكري الذي استخدمه الصليبيون المحدثون في الغارة على العالم الإسلامي كما سمى شاتلييه كتابه السالف الذكر.
والهدف من ذلك واضح ولا شك فطالما كان المسلمون مسلمين فسيصعب على الغزاة ابتلاعهم مهما كانوا عليه من الضعف والتخلف؛ ذلك أن العقيدة الإسلامية عقيدة جهاد وقد ذاق الفرنسيون في الشمال الإفريقي وذاق الإنجليز في الهند وغيرها من أقطار إفريقيا وآسيا من عقيدة الجهاد هذه ما لا يزال عالقًا بنفوسهم برغم كل الضعف والتخلف الذي كان عليه المسلمون. فاقتلاع هذه العقيدة واستبدال غيرها بها أمر ذو أهمية بالغة سواء من وجهة النظر الصليبية أو من وجهة النظر الاستعمارية البحتة، المسلمون لا يقبلون الاستعمار ولا يرضخون له طالما كانوا مسلمين. فإذا اجتمعت وجهة النظر الصليبية ووجهة النظر الاستعمارية تجاه الإسلام كما هو الأمر الواقع كانت الرغبة في اقتلاع هذه العقيدة آكد والعمل على استبدال غيرها بها أعنف وأشد.
وبالفعل بذرت بذور الوطنية أولًا في العالم الإسلامي ثم جاء دور القومية بعد ذلك فحققت أكثر من هدف في وقت واحد. كان الهدف الأول هو تحويل حركات الجهاد الإسلامي ضد الاستعمار الصليبي إلى حركات وطنية كما فعل سعد زغلول في مصر وغيره من الزعماء الوطنيين على اتساع العالم الإسلامي. والحركة الوطنية تفترق عن حركة الجهاد الإسلامي بادئ ذي بدء في أنها لا تنظر إلى العدو على أنه صليبي مستعمر ولكنه على أنه مستعمر فقط وفرق واضح في درجة العداء وطريقة المجاهدة بين أن يكون العدو منظورًا إليه على حقيقته وبين أن يكون مغلفًا برداء الاستعمار فحسب.
والهدف الثاني هو تحويل حركات الجهاد الإسلامي إلى حركات سياسية عن طريق تحويلها إلى حركات وطنية. فالعدو غير قادر على التفاهم مع الحركات الإسلامية لأنه لا سبيل إلى التفاهم معها في الحقيقة إلا بإخراج ذلك العدو خارج البلاد ومن ثم فلا سبيل إلى استعمال السياسة من جانب العدو. أما الحركات الوطنية فالتفاهم معها سهل وممكن؛ وعود من المستعمر بالجلاء! ويأتي الوقت الموعود فيتذرع المستعمر بشتى المعاذير لتأجيل جلائه ويعطي وعودًا جديدة يعتذر عنها بدورها إذا جاء دورها والساسة الوطنيون يغضبون أو يتظاهرون بالغضب لإرضاء الجماهير. والجماهير تثور ثورة صاخبة لكنها فارغة سرعان ما تنطفئ بعد الاستماع إلى خطبة رنانة من الزعيم الوطني يعد فيها بأنه لن يفرط في شبر من الأرض ولن يرضى بغير الجلاء التام أو الموت الزؤام وبين هذا وذاك تجري مفاوضات بين الساسة والاستعمار تنتهي إلى أشياء تافهة يلعب بها الساسة على عقول الجماهير فيوهمونها أنها مكاسب وطنية وقد تنتهي إلى غير شيء على الإطلاق ومع ذلك يقول زعيم يعتبر من كبار الزعماء الوطنيين في العالم الإسلامي في العصر الحديث وهو سعد زغلول:"خسرنا المعاهدة وكسبنا صداقة الإنجليز"ويقول: (الانجليز خصوم شرفاء معقولون) . وهو شيء ما كان يمكن أن يحدث لو بقيت حركة الجهاد إسلامية كما كانت في مبدئها ولم تتحول إلى حركة وطنية على يد الزعيم الكبير!!.