الصفحة 232 من 317

الدعوة إلى الوطنية شقيقة الدعوة إلى القومية. والكفار -قاتلهم الله- لم يقتصروا على راية واحدة يرفعونها للمسلمين بدل إسلامهم ولم يقتصروا على خطة واحدة بل كثرت خططهم وشعاراتهم وراياتهم وذلك من باب تكثير السهام على الفريسة فإن أخطأها الأول أو العاشر لم يخطئها العشرون أو الثلاثون، والذي لا تروق له القومية تجذبه شباك الوطنية أو الإنسانية أو زمالة الأديان أو التعايش السلمي أو الاشتراكية وهكذا دواليك. ولا ينجو منهم إلا من اعتصم بالكتاب والسنة.

والوطنية هي تقديس الوطن بحيث يصير الحب فيه والبغض لأجله والقتال من أجله وإنفاق الأموال من أجله حتى يطغى على الدين وحتى تحل الربطة الوطنية محل الرابطة الدينية. فالوطنيون يحبون أبناء وطنهم وإن كانوا على غير ملتهم أكثر من محبتهم لمن كانوا على ملتهم إذا لم يكونوا في وطنهم بل قد يصل الأمر بالوطنيين إلى اجتماعهم على محاربة المسلمين مع الكفار لأن الكفار من أبناء وطنهم!! وإذا وصل الحال بالإنسان إلى هذه الدرجة فقد عبد الوطن من دون الله، والعصبية للوطن من جنس العصبية للقوم كلها من دعاوى الجاهلية، والوطنية في العصر الحاضر التي نسمع الدعوة لها في ديار الإسلام بضاعة مستوردة كغيرها من المستوردات وما أكثرها!! فإنه لما قامت الثورة المصرية عام 1919 على المستعمر البريطاني واشتد أوارها وعجزت بريطانيا عن إخمادها غيرت مندوبها في مصر وأرسلت بدلًا منه اللورد اللنبي ومكث شهرًا يتحرى الأوضاع ثم أرسل برقية إلى وزارة الخارجية البريطانية يقول فيها:

1 -الثورة تنبع من الأزهر وهذا أمر له خطورته البالغة.

2 -أفرجوا عن سعد زغلول وأرسلوه إلى القاهرة.

وجاء سعد زغلول وقرت به أعين الإنكليز فصرف الثورة من ثورة دينية تنبع من الأزهر وتنادي بجهاد الكفار إلى ثورة وطنية تنادي بتحرير التراب يشترك فيها النصارى المصريون مع المسلمين لمحاربة النصارى الإنكليز وقال قولته المشهورة: الدين لله والوطن للجميع. ومغزى العبارة أننا غير معنيين بالدين وبنشره فهو لله يتولى نشره والدفاع عنه، أما الوطن فهو لنا جميعًا نحن والأقباط فلنبذل جهادنا لأجل ترابنا لاستنقاذه. يا لك من قولة فاجرة. التراب أهم على صاحبها من دينه! إن الدين لله والوطن لله ولا خير في وطن بلا دين لو كان يعقل الوطنيون. ثم قال سعد زغلول للمسلمين المصريين لا تنادوا بشعارات إسلامية لكيلا يغضب إخواننا الأقباط المشاركون لنا في الثورة. وقد كان اشتراكهم مقصودًا ليكون لهم في الحكم نصيب، ثم ألف سعد حزب الوفد ونص في لائحته على تحريم الخوض في أي نقاش ديني وأخذ القسس النصارى يدخلون الأزهر ويخرجون في المظاهرات [1] ومن مصر سرت العدوى للأقطار العربية الأخرى فصار شعار الوطنية تلوكه الألسنة وتنشره وسائل الإعلام ومناهج التعليم ويربى عليه التلاميذ في المدارس ويقدم على الدين ويغرس في الجنود حب الفداء له لا للدين ولا شك أن الجهاد من أجل الوطن -إذا لم يكن هدف أصحاب الوطن هو نشر الإسلام وتحكيمه في الحياة وإعلاء كلمة الله تعالى -جهاد في سبيل الطاغوت لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله -كما

(1) انظر مذكرة المذاهب الفكرية للسنة المنهجية في الدراسات العليا بمكة، تأليف الأستاذ محمد قطب ص78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت