فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المزاملة في اللغة المعادلة على البعير وزاملني يعني عادلني [1] ، والدعوة إلى زمالة الأديان في هذا العصر دعوة خبيثة تظهر أحيانًا بهذا الاسم، وأحيانا باسم التقريب بين الأديان، وأحيانًا باسم جمعيات الصداقة بين الأديان ونحو هذه المسميات. وجوهرها وهدفها في الحقيقة هو أن يكسب اليهود والنصارى في هذا العصر اعترافًا من المسلمين بصحة دينهم وهذا له دور كبير في صد النصارى واليهود عن الدخول في الإسلام وذلك لأن كثيرًا من النصارى وبعض اليهود متعطشون إلى دين شامل كامل كالإسلام، وقد سئموا مما يسمى عندهم بالمسيحية أو اليهودية التي هي من صنع الأحبار والرهبان وليستا الدين الصحيح الذي أنزل الله على موسى وعيسى عليهما السلام. فإذا سمع هؤلاء تلك الشنشنة التي تصدر من أشخاص يطلق عليهم ألقاب علمية ودينية كبيرة، المتضمنة لاعترافهم بالدين النصراني والدين اليهودي المحرفين، وسمعوا حرص أولئك العلماء الأكابر إلى مد أيديهم إلى دين النصارى واليهود والبحث عن مزاملته بأي ثمن ومحاولة تقريبه من الإسلام خاب ظنهم وقالوا: لماذا ننتقل إلى الإسلام وهو كديننا الذي نشعر فيه بالتعاسة بل إن ديننا أفضل منه بدلالة حرص أصحابه على تقريبنا إليهم ليكسبوا بذلك شرفًا وعزًا ثم منهم من يمكث على دينه المحرف ومنهم من يزهد في الأديان عمومًا وينتقل إلى الشيوعية وما أكثر هذا الصنف الأخير!! كل هذا بسبب هذه الدعوة الخبيثة التي يروج لها الخبثاء أو المغفلون. وهناك هدف آخر لهذه الدعوة وهو تخدير مشاعر المسلمين تجاه اليهود والنصارى فلا يستشعر المسلم وجوب جهادهم حتى إخضاعهم للإسلام أو دفع الجزية والخضوع لحكم الإسلام، ولا يستشعر المسلم وجوب عداوتهم في الله لأنهم كفار، بل إن بعض المسلمين يظن أن اليهود والنصارى ناجون يوم القيامة لأنهم أتباع دين سماوي بزعمهم، وحجب عنه أصحاب الدعوة إلى زمالة الأديان -عن عمد أو جهل- قول الرسول صلى الله عليه وسلم الثابت عنه بالسند الصحيح: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) [2] .
وقد تولى كبر هذه الدعوة الخبيثة أصحاب المدرسة العقلية الحديثة ابتداء من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده؛ إذ يقول جمال الدين الأفغاني في خاطراته تحت عنوان نظرية الوحدة: (وجدت بعد كل بحث وتنقيب وإمعان أن أديان التوحيد الثلاثة على تمام الاتفاق في المبدأ والغاية، وإذا نقص في واحد منها شيء من أوامر الخير المطلق استكمله الثاني ... وعلى هذا لاح لي بارق أمل كبير أن تتحد أهل الأديان الثلاثة مثلما اتحدت الأديان في جوهرها وأصلها وغايتها، وأنه بهذا الاتحاد يكون البشر قد خطا نحو السلام خطوة كبيرة في هذه الحياة القصيرة، وأخذت أضع لنظريتي هذه خططًا وأخط أسطرًا وأحبر رسائل للدعوة؛ كل ذلك وأنا لم أخالط أهل الأديان كلهم عن قرب وكثب، ولا تعمقت في أسباب اختلاف أهل الدين الواحد وتفرقهم فرقًا وشيعًا وطوائف) [3] فأي رائحة لجهاد اليهود والنصارى تبقى عند مسلم جاهل يسمع هذا الكلام من عالم نحرير!! الذي فيه اعتراف صريح بأنه لا فرق بين الأديان الثلاثة في المبدأ والغاية وأن سماحة الشيخ ساع بجد واجتهاد لخلطها وجعلها دينًا واحدًا!! وأما تلميذه محمد عبده
(1) انظر لسان العرب 11/ 310.
(2) صحيح مسلم مع النووي 2/ 186.
(3) الولاء والبراء لمحمد سعيد ص346.