فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فقد ضرب في هذا الأمر بسهم وافر (خاسر) ؛ يقول الأستاذ غازي التوبة في أثناء حديثه عن محمد عبده ومدرسته العقلية (الاصلاحية) : (ألف محمد عبده جمعية سياسية دينية سرية في بيروت إثر عودته إليها من أوروبا بعد تعطيل مجلة العروة الوثقى وكان هدف هذه الجمعية التقريب بين الأديان السماوية الثلاثة وإزالة الشقاق بين أهلها وإحلال التعاون بدل الفرقة والخصام، وكان محمد عبده صاحب الرأي الأول في إنشائها ونظامها. وميرزاباقر هو(الناموس) السكرتير العام لها. وقد انتسب إليها بعض المسلمين والإنكليز واليهود. أما المسلمون فمنهم بيرزاده، وعارف أبو تراب تابع جمال الدين الأفغاني وجمال بك نجل رامز بك قاضي بيروت، ومؤيد الملك أحد وزراء إيران وحسن خان مستشار السفارة الإيرانية في الآستانة. أما الإنجليز فمنهم القس إسحاق طيلر في لندن، وجي دبلتولينتر مفتي المدارس في الهند، أما اليهود فمنهم الدكتور شمعون مويال في يافا وقد كان ميرزاباقر سكرتير الجمعية إيرانيا مسلمًا تنصر وصار داعية للنصرانية مع جمعية للمبشرين! وتسمى بميرزا يوحنا .. ويظهر أن هذه اللوثة -لوثة التقريب بين الأديان- بقيت تفعل في ذهن محمد عبده بعد انتقاله من بيروت إلى القاهرة فقد استضاف (خريستفورس جبارة) وهو شخص أمريكي دعا إلى توحيد الأديان السماوية في معرض شيكاغو وغيره حتى وصل إلى مصر وتوفي فيها. لن نحاسب محمد عبده بحقيقة عصرنا التي كشفت كذب هذه الدعوات في توحيد الأديان وأبانت زيفها وعرت هدفها الذي هو التلاعب بمفاهيم الإسلام وإزالة صفاء أفكاره [1] وهي أمنية راودت أعداء الإسلام كثيرًا وفتقت أذهانهم عن حيل عدة كانت البهائية أحدثها وهم يقصدون أن يساووا في ذلك بين الإسلام من جهة وبين اليهودية والمسيحية اللتين طالتهما الأيدي وعاثت بهما فسادًا من جهة ثانية، ولكن أنّى لهم ذلك والله القائل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) . لن نحاسب محمد عبده بحقيقة عصرنا التي كشفت الأيدي اليهودية الحاقدة التي هي وراء كل دعوى تمييع للقيم الدينية لتحطمها وتكون المحصلة: (لا أديان) وترضي بالتالي حقدها الأسود؛ فليس عليها في الأميين حرج ولا إثم. لن نحاسب محمد عبده بحقيقة عصرنا، ولكننا سنحاسبه بحقيقة الإسلام الناصعة التي يقربها ويدعو لها: جاور الرسول صلى الله عليه وسلم يهود المدينة سنين طوالًا قبل أن يجليهم عنها جادلوه خلالها وخاصموه ودعاهم بدوره إلى كلمة الإيمان والإسلام ولم يدعهم للتوفيق بين الإسلام واليهودية أو إلى التقريب بينهما ولو علم خيرًا أو بعض خير في ذلك لفعله.
حاجّ وفد من نجران الرسول صلى الله عليه وسلم في النصرانية فدعاه الرسول من ناحية إلى الإسلام ولم يدعه إلى التوفيق بين الإسلام والنصرانية: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ولو علم خيرًا أو بعض خير في ذلك لفعله. كان الأحرى بمحمد عبده أن يدعو أهل الكتاب إلى هذه الكلمة السواء امتثالًا لأمر ربه واقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم. وكان الأولى بالأوروبيين حاملي هذه الفكرة دعوة قومهم إلى نبذ التعصب والحقد ونهي دولهم عن استغلال المسلمين وتخريب عالمهم فيخدمون بذلك المسيحيين والمسلمين على السواء. وقد أخطأ محمد عبده في دعوته إلى التأليف والتقريب بين الأديان،
(1) لو قال الكاتب (عقائده) لكان أحسن لأن أحكام الإسلام وعقائده ليست مجرد أفكار.