فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
يقول ابن تيمية ( ... فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [1] .
وبهذا يتضح أنه لا خلاف بين الزركشي ومن نحا نحوه كسيد قطب وغيره وبين السلف في حكم مراحل الجهاد وإنما الخلاف في مسمى النسخ يقول سيد قطب (والعبرة بنهاية المراحل التي وصلت إليها الحركة الجهادية في الإسلام بأمر من الله لا بأوائل الدعوة ولا بأوسطها) [2] . ويقول عليه رحمة الله (إن تلك الأحكام المرحلية ليست منسوخة بحيث لا يجوز العمل بها في أي ظرف من ظروف الأمة المسلمة بعد نزول الأحكام الأخيرة في سورة التوبة ذلك أن الحركة والواقع الذي تواجهه في شتى الظروف والأمكنة والأزمنة هي التي تحدد -عن طريق الاجتهاد المطلق- أي الأحكام هو أنسب للأخذ به في ظرف من الظروف في زمان من الأزمنة في مكان من الأمكنة مع عدم نسيان الأحكام الأخيرة التي يجب أن يصار إليها متى أصبحت الأمة الإسلامية في الحال التي تمكنها من تنفيذ هذه الأحكام كما كان حالها عند نزول سورة التوبة وما بعد ذلك أيام الفتوحات الإسلامية التي قامت على أساس من هذه الأحكام الأخيرة النهائية سواء في معاملة المشركين أو أهل الكتاب. إن المهزومين في هذا الزمان أمام الواقع البائس لذراري المسلمين -الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان- وأما الهجوم الاستشراقي الماكر على أهل الجهاد في الإسلام أن يحاولون أن يجدوا في النصوص المرحلية مهربًا من الحقيقة التي يقوم عليها الانطلاق الإسلامي في الأرض لتحرير الناس كافة من عبادة العباد وردهم جميعًا إلى عبادة الله وحده وتحطيم الطواغيت والأنظمة والقوى التي تقهرهم على عبادة غير الله والخضوع لسلطان غير سلطانه والتحاكم إلى شرع غير شرعه. ومن ثم نراهم يقولون مثلًا إن الله سبحانه يقول:(وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ) ويقول: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) .. فالإسلام إذن لا يقاتل إلا الذين يقاتلون أهل دار الإسلام في داخل حدود هذه الدار أو الذين يهددونها من الخارج. وإنه قد عقد صلح الحديبية مع المشركين وإنه قد عقد معاهدة مع يهود المدينة ومشركيها. ومعنى ذلك في تصورهم المهزوم أن لا علاقة للإسلام إذن بسائر البشر في أنحاء الأرض ولا عليه أن يتخذ الناس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله في الأرض كلها ما دام هو آمنا داخل حدوده الإقليمية. وهو سوء ظن بالإسلام وسوء ظن بالله سبحانه تمليه الهزيمة أمام الواقع البائس النكد الذي يواجههم وأمام القوى العالمية المعادية التي لا طاقة لهم بها في اللحظة الحاضرة. وهان الأمر لو أنهم حين يهزمون روحيًا أمام هذه القوى لا يحيلون هزيمتهم إلى الإسلام ذاته ولا يحملونه على ضعف واقعهم الذي جاءهم من بعدهم عن الإسلام أصلًا ولكنهم يأبون إلا أن يحملوا ضعفهم هم وهزيمتهم على دين الله القوي المتين. إن هذه النصوص التي يلتجئون إليها نصوص مرحلية تواجه واقعًا معينًا وهذا الواقع المعين قد يتكرر وقوعه في حياة الأمة المسلمة وفي هذه الحالة تطبق هذه النصوص المرحلية لأن واقعها يقرر أنها في مثل تلك المرحلة التي واجهتها تلك النصوص بتلك الأحكام. ولكن هذا ليس معناه أن هذه هي غاية المعنى وأن هذه نهاية خطوات هذا الدين .. إنما معناه أن على الأمة المسلمة أن تمضي قدمًا
(1) الصارم المسلول لابن تيمية (ص221) .
(2) في ظلال القرآن (3: 1436) .