الصفحة 87 من 317

على مال يؤديه إليهم فقال لا يصلح ذلك إلا عن ضرورة كشغل المسلمين عن حربهم قال ولا بأس أن يصالحهم على غير شيء يؤذونه إليهم كما وقع في الحديبية. وقال الشافعي: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين جازت لهم مهادنتهم على غير شيء يعطونهم لأن القتل للمسلمين شهادة وإن الإسلام أعز من أن يعطى المشركون على أن يكفوا عنهم إلا في حالة مخافة اصطلام المسلمين لكثرة العدو لأن ذلك من معاني الضرورات وكذلك إذا أسر رجل مسلم فلم يطلق إلا بفدية جاز) [1] . وقال ابن قدامة ( ... لا تجوز المهادنة مطلقًا من غير تقدير مدة لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية [2] ... وتجوز مهادنتهم على غير مال لأن النبي صلى الله عليه وسلم هادنهم يوم الحديبية على غير مال ويجوز ذلك على مال يأخذه منهم فإنها إذا جازت على غير مال فعلى مال أولى وأما إن صالحهم على مال نبذله لهم فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه وهو مذهب الشافعي لأن فيه صغارًا للمسلمين وهذا محمول على غير حالة الضرورة فأما إذا دعت إليه ضرورة وهو أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر فيجوز لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال فكذا ههنا ولأن بذله المال إن كان فيه صغار فإنه يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه وهو القتل والأسر وسبي الذرية الذي يفضي سبيهم إلى كفرهم) [3] .

وقال أبو حنيفة (لا ينبغي موادعة أهل الشرك إذا كان بالمسلمين عليهم قوة. وإن لم يكن بالمسلمين قوة عليهم فلا بأس بالموادعة وقال الشيباني -بعد ذكره لكلام أبي حنيفة هذا- وإذا خاف المسلمون المشركين فطلبوا موادعتهم فأبى المشركون أن يوادعوهم حتى يعطيهم المسلمون على ذلك مالا فلا بأس بذلك عند تحقق الضرورة) [4] .

وقال ابن جزي الغرناطي المالكي ( ... لا يجوز الانصراف من صف القتال إن كان فيه انكسار المسلمين، وإن لم يكن فيجوز لمتحرف لقتال أو متحيز إلى فئة والتحرف للقتال هو أن يظهر الفرار وهو يريد الرجوع مكيدة في الحرب. والتحيز إلى الجماعة الحاضرة جائز واختلف في التحيز إلى جماعة غائبة من المسلمين أو مدينة ولا يجوز الانهزام إلا إذا زاد الكفار على ضعف المسلمين، والمعتبر العدد في ذلك على المشهور وقيل القوة وقيل إذا بلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفًا لم يحل الانهزام ولو زاد الكفار على الضعف. وإن علم المسلمون أنهم مقتولون فالانصراف أولى وإن علموا مع ذلك أنهم لا تأثير لهم في نكاية العدو وجب الفرار وقال أبو المعالي لا خلاف في ذلك) [5] . فهذه الأقوال التي سلفت من مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم تبين أن مقصود السلف بالنسخ في مراحل الجهاد ليس هو إزالة حكم المراحل حتى لا يجوز العمل بها مطلقًا فإن هذا من التكليف بما لا يطاق في حال الاستضعاف والله سبحانه يقول: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) .

(1) فتح الباري لابن حجر (6: 198) .

(2) بعض العلماء كابن تيمية وابن القيم يرى جواز المهادنة من غير تقدير مدة لكنهم يرون أنها عقد جائز غير لازم، للمسلمين فسخه إذا رأوا المصلحة في ذلك. انظر الجواب الصحيح (1: 74) وزاد المعاد (3: 70) .

(3) المغني لابن قدامة (8: 459 - 461) .

(4) شرح السير الكبير للسرخسي (ص 1689 - 1692) .

(5) القوانين الفقهية لابن جزي (ص128) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت