الصفحة 86 من 317

بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدًا) [1] .

وأتى السيوطي في كتابه الإتقان بكلام الزركشي هذا غير أنه لم ينسبه له [2] مع أنه ذكر في كتابه الإكليل بأن آية السيف ناسخة لآيات العفو والصفح والمسالمة [3] .

والحقيقة أن الزركشي رحمه الله صادق في قوله إن مراحل الجهاد يعمل بها في الظروف المشابهة للظروف التي شرعت فيها مخطئ في تضعيفه لأقوال السلف القائلين بالنسخ لأن السلف لا يقصدون بالنسخ المعنى الذي هو يقصده"وهو الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدًا"وإنما يقصدون معنى أعم وأشمل من ذلك فإن النسخ عندهم يشمل التقييد والبيان والتخصيص ونحو ذلك فليس للزركشي أن يحاكم السلف إلى اصطلاح المتأخرين وهذه غفلة منه رحمه الله عن قصد السلف بالنسخ يقول ابن تيمية عن مفهوم النسخ عند السلف ( ... ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية أخرى تفسرها وتنسخها أو بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم تفسرها فإن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه وكانوا يسمون ما عارض الآية ناسخًا لها فالنسخ عندهم اسم عام لكل ما يرفع دلالة الآية على معنى باطل وإإن كان ذلك المعنى لم يرد بها وإن كان لا يدل عليه ظاهر الآية بل قد لا يفهم منها. وقد فهمه منها قوم فيسمون ما رفع ذلك الإيهام والإفهام نسخًا وهذه التسمية لا تؤخذ عن كل واحد منهم وأصل ذلك من إلقاء الشيطان ثم يحكم الله آياته فما ألقاه الشيطان في الأذهان من ظن دلالة الآية على معنى لم يدل عليه سمى هؤلاء ما يرفع ذلك الظن نسخًا كما سموا قوله تعالى:(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ناسخًا لقوله (اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) وقوله: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) ناسخًا لقوله: (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ) وأمثال ذلك مما ليس هذا موضع بسطه) [4] . وقد رجح بعض العلماء في العصور المتأخرة ما ذهب إليه الزركشي [5] ظنًا منهم أن قول السلف يخالف قول الزركشي في العمل بمراحل الجهاد والحقيقة أن الخلاف بين الزركشي في العمل بمراحل الجهاد والحقيقة أن الخلاف بين الزركشي وعلماء السلف هو في مسمى النسخ لا في العمل بمراحل الجهاد وإلا فالسلف لا يكلفون المستضعف من المسلمين الذي حاله مشابهة لحال الرسول في مكة بالقتال وإنما الواجب عليه أن يجتهد لكي يصل إلى حال قوة يجاهد فيها الكفار لأن الحال التي توفي عليها الرسول صلى الله عليه وسلم هي تمام الدين التي يجب على المسلمين بذل قصارى الجهاد لتحقيقها في الواقع البشري وإليك أقوال السلف المؤيدة لهذا.

قال ابن حجر -عند الكلام على مهادنة الكفار بمال يدفعه المسلمون لهم في حال الضرورة- (وأما أصل المسألة فاختلف فيه فقال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي عن موادعة إمام المسلمين أهل الحرب

(1) البرهان للزركشي (2: 41 - 42) .

(2) انظر الإتقان للسيوطي (3: 66) .

(3) انظر الإكليل في استنباط التنزيل (ص116) .

(4) مجموع الفتاوى (13: 30) .

(5) انظر في ظلال القرآن (3: 159) ومناهل العرفان للزرقاني (2: 150) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت