الصفحة 92 من 317

شديد وبلاء شديد نمص الجلد والنوى من الجوع ونلبس الوبر والشعر ونعبد الشجر والحجر فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب الأرضين تعالى ذكره وجلت عظمته إلينا نبيًا من أنفسنا نعرف أباه وأمه فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط ومن بقي منا ملك رقابكم) [1] . وذكر ابن كثير قصة ربعي بن عامر رضي الله عنه لما بعثه سعد بن أبي وقاص إلى رستم وفيها ( ... فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة والزينة العظيمة وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة وقد جلس على سرير من ذهب ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه فقالوا له ضع سلاحك فقال إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت فقال رستم ائذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها فقالوا له ما جاء بكم؟ فقال الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله قالوا وما موعود الله قال الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقي ... ) [2] .

وهذا الهدف السامي -المتضمن لإعلاء كلمة الله وهي الإسلام وإقامة سلطان الله في الأرض وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وإخلاء العالم من الفساد الأكبر الذي هو الشرك وما ينتج عنه وإزالة الطواغيت الذين يحولون بين الناس وبين الإسلام ويعبدونهم لغير الله -موضع اتفاق بين علماء الإسلام وها هي ثلة من أقوالهم.

يقول الشافعي(فدل كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أن فرض الجهاد إنما هو على أن يقوم به من فيه كفاية للقيام به حتى يجتمع أمران: أحدهما أن يكون بإزاء العدو المخوف على المسلمين من يمنعه.

والآخر: أن يجاهد من المسلمين من في جهاده كفاية حتى يسلم أهل الأوثان أو يعطي أهل الكتاب الجزية) [3] .

ويقول محمد بن الحسن (فرضية القتال المقصود منها إعزاز الدين وقهر المشركين) [4] ويقول ابن القيم (والمقصود من الجهاد إنما هو أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله ... فإن من كون الدين كله لله إذلال الكفر وأهله وصغاره وضرب الجزية على رؤوس أهله والرق على رقابهم فهذا من دين الله ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عزهم وإقامة دينهم كما يحبون بحيث تكون لهم الشوكة والكلمة) [5] .

(1) صحيح البخاري مع الفتح (6: 190) .

(2) البداية لابن كثر (7: 39) .

(3) الأم للشافعي (4: 167) .

(4) السير الكبير للشيباني (1: 188) .

(5) أحكام أهل الذمة لابن القيم (1: 18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت