وفي «مختلف الحديث» لابن قتيبة: عن ابن عبَّاس، أنَّ سليمان صلى الله عليه وسلم كانت الشياطين دفنت في خزانته ومواضع مصلاه سحرًا ونيرنجات، فلمَّا مات جاءت الشَّياطين إلى النَّاس، فقالوا: ألا ندلُّكم على الأمر الذي سُخِّرت لسليمان به الجنُّ والرِّيح؟ فاستخرجوه لهم، فقال علماء بني إسرائيل: ما هذا دين الله جلَّ وعزَّ، وقال السَّفِلة: سليمان كان أعلم بها [7] ، فنعمل بهذا كما عمله، فقال الله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} الآية [البقرة: 102] .
وفي «تفسير محمد بن حزم» : قال قائلون: إنَّ الله جلَّ وعزَّ أنزل السِّحر على هاروت وماروت، قالوا: فإن قال لنا قائل: وهل يجوز أن يُنزل الله تعالى السَّحر؟ أم هل يجوز للملائكة أن تعلِّمه النَّاس؟ قالوا: قلنا: إنَّ الله جلَّ وعلا قد أنزل الخير والشرَّ كلَّه، وبيَّن جميع ذلك لعباده ونهاهم، وأوحاه إلى رسله، وأمرهم بتعليم خلقه، ما يحلُّ لهم، وما يحرم عليهم، كسائر المعاصي؛ من زنا، وسرقة، وشبههما، عرَّفهم إياها، ونهاهم عن ركوبها، فالسِّحر أحد تلك المعاني التي أخبرهم بها، ونهاهم عن العمل بها.
قالوا: وليس في العلم بالسِّحر إثم، كما لا إثم في العلم بصنعة نحت الطنابير والملاعب وشِبههما، وإنَّما الإثم في العمل به، أو أن يضرَّ به من لا يحل ضَرُّه.
قالوا: وليس في تعليم الملكين من علَّماه من الناس إثم، إذ كان تعليمهما من علَّما ذلك بإذن الله لهما بتعليمه، بعد أن يخبراه أنَّها فتنة، وينهياه عن السحر والعمل به والكفر، وإنَّما الإثم شرعًا لمن يتعلَّمُه منهما ويعمل به؛ إذ كان الله جلَّ وعزَّ ذِكْرُهُ قد نهى عن تعلُّمه والعمل به.
قيل لهم: لو كان الله قد أباح أن يتعلموا ذلك لم يكن من تعلمه منهما حَرِجًا، كما لم يكونا حَرِجين يعلِّمانه، إذا كان علمهما بذلك من تنزيل الله إليهما.