وفي «المعاني» للزَّجَّاج: وزعم أنَّه أشبه بالتَّأويل، أن يكون الله جلَّ وعزَّ امتحن بالملكين النَّاسَ في ذلك الوقت، فجعل المحنة في الكفر والإيمان، بعلم السِّحر وتركه، فتاركُه مؤمن ومتعلِّمُه كافر.
قال المازِري: قال بعضهم: لا يزيد تأثير السَّاحر على قدر التَّفرقة بين المرء وزوجه، ومذهب الأشعريَّة أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، قال: وهو الصَّحيح عقلًا، فإن قيل: إذا جوَّزت الأشعريَّة خرق العادة [33/ب]
%ج 4 ص 63%
على يد السَّاحر، فبماذا يتميَّز عن النَّبيِّ؟
فالجواب: أنَّ العادة تنخرق على يد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والوليِّ، والسَّاحر، لكنَّ النَّبيَّ يتحدَّى بها للخلق ويستعجزهم عن مثلها، ويخبر عن الله بخرق العادة، فلو كان كاذبًا لم تخرق له العادة على يديه، ولو خرقها على يد كاذب لخرقها على يد المعارضين للأنبياء، وأما الوليُّ والسَّاحر فلا يتحديَّان الخلق، ولا يستدلَّان على نبوة، ولو ادَّعيا شيئًا من ذلك لم تنخرق العادة لهما.
وأما الفرق بين الولي والساحر فمن وجهين:
أحدهما: وهو المشهور، الإجماع على أنّ السِّحر لا يُعْلَمُ إلا على ما سبق، بخلاف الكرامة، وهذا تحرير إمام الحرمين والمتولي وغيرُهما.
الثاني: أنَّ السَّحر قد يكون بأشياء يفعلها، ويمزجها، ومعاناة [8] ، وعلاج بخلاف الكرامة. ذكر [9] النووي.
وقال القرطبي: إن أراد أنَّ الذي وقع في الوجود خارق للعادة فباطل، وسيأتي طرف من هذا في تفسير المعوَّذتين [10] .
وأمَّا التَّولِّي يوم الزَّحف فمذهب العلماء أنَّه كبيرة، وحُكي عن الحسن بن أبي الحسن أنَّه ليس من الكبائر، قال: والآية الكريمة الواردة في ذلك إنَّما وردت في أهل بدر خاصَّة.
قال القرطبي: وأصل الزَّحف: المشي المتثاقل، كالصبي يزحف قبل أن يمشي، وسُمِّي الجيش زحفًا؛ لأنَّه يزحف فيه، وإنَّما يكون الفرار كبيرة إذا فرَّ إلى غير فئة، وإذا كان العدوُّ ضِعْفي المسلمين.