فهرس الكتاب
مِثْلَ الدُّنْيَا مَا بَيْنَ مَشَارِقِها وَمَغَارِبِهَا، وَأَمَّا مَا كَانَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يَطْمِسُهَا وَيُسَخِّرُ لَهَا قَمَرًا فَإِنَّهُ دُونَ الشَّمْسِ فِي الْعِظَمِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يُرَى صِغَرُهُمَا مِنْ شِدَّةِ ارْتِفَاعِ السَّمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَ اللهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كَمَا كَانَ خَلَقَهُمَا لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَارِ وَلَا النَّهَارُ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَرْسَلَ جِبْرِيلَ فَأَمَرَّ جَنَاحَهُ عَلَى وَجْهِ الْقَمَرِ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ شَمْسٌ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَطَمَسَ عَنْهُ الضَّوْءَ وَبَقِيَ فِيهِ النُّورُ، فَالسَّوَادُ الَّذِي تَرَوْنَهُ فِي الْقَمَرِ شِبْهَ الْخُطُوطِ فَهُوَ أَثَرُ الْمَحْوِ، ثُمَّ خَلَقَ الشَّمْسَ عَجَلَةً مِنْ ضَوْءِ نُورِ الْعَرْشِ، لَهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ عُرْوَةً، وَوَكَّلَ بِهَا ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَلَكًا، كُلُّ مَلَكٍ مُعَلَّقٌ بِعُرْوَةٍ مِنْ تِلْكَ الْعُرَى، وَوَكَّلَ بِالْقَمَرِ وَعَجَلَتِهِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَلَكًا، كَالشَّمْسِ، وَخَلَقَ لَهُما مَشَارِقَ وَمَغَارِبَ فِي قُطْرَيِ الْأَرْضِ وَكَنَفَيِ السَّمَاءِ، ثَمَانِينَ وَمِائَةَ عَيْنٍ فِي الْمَغْرِبِ طِينَةً سَوْدَاءَ، وَثَمَانِينَ وَمِائَةَ عَيْنٍ فِي الْمَشْرِقِ مِثْلَ ذَلِكَ طِينَةً سَوْدَاءَ تَفُورُ غَلْيًا كَغَلْيِ الْقِدْرِ، فَكُلُّ يَوْمٍ وَكُلُّ لَيْلَةٍ لَهَا مَطْلَعٌ جَدِيدٌ وَمَغْرِبٌ جَدِيدٌ، وَخَلَقَ اللهُ بحْرًا دُونَ السَّمَاءِ بِمِقْدَارَ ثَلَاثِ فَرَاسِخَ، وَهُوَ بُرج مَلْفُوفٌقَائِمٌ فِي الْهَوَاءِ لَا يَقْطُرُ قَطْرُهُ، وَالْبِحَارُ كُلُّهَا سَاكِنَةٌ، وَذَاكَ الْبَحْرُ جَارٍ فِي سُرْعَةِ السَّهْمِ وَانْطِلَاقُهُ فِي الْهَوَاءِ مُسْتَوِيًا كَأَنَّهُ جَبَلٌ مَمْدُودٌ، تَجْرِي الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ والحُسْنُ