الصفحة 2099 من 2429

وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظةً إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح، واحتجوا بقوله جل وعز: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1] ، فجعل إلى المسجد الأقصى غايةَ الإسراء الذي وقع التعجُّب فيه بعظيم القدرة والتمدُّح بتشريف النبي محمد صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ به وإظهاره الكرامة له بالإسراء إليه، قال هؤلاء: ولو كان الإسراء بجسده إلى زائدٍ على المسجد الأقصى لذكره فيكون أبلغ في المدح، ثم اختلفت هذه الفرقتان: هل صلى ببيت المقدس أم لا؟ ففي حديث أنس وغيره صلاتُه فيه، وأنكر ذلك حذيفة وقال: والله ما زالا عن ظهر البراق حتى رجعا.

قال القاضي: والحق من هذا والصحيح إن شاء الله تعالى: أنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها، وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار، ولا يُعْدَلُ عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالةٌ؛ إذ لو كان منامًا لقال: بروح عبده، ولم يقل: {بِعَبدِهِ} ، وقوله: {مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى} ، ولو كان منامًا لم يكن فيه معجزة ولا آية، ولما استبعده الكفار ولا كذبوه، ولا ارتدَّ به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به؛ إذ مثل هذا من المنامات لا يُنكر، بل لم يكن ذلك منهم إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه وحال يقظته إلى ما ذكر في الحديث من صلاته بالأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ببيت المقدس في رواية أنس، أو في السماء على ما روى غيره.

وذكر مجيء جبريل له صلى الله عليهما وسلم بالبراق وشبه ذلك من مراجعته مع موسى ودخوله الجنة، قال ابن عباس: هي رؤيا عين رآها النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، لا رؤيا منام.

وعن الحسن فيه: «بينا أنا جالسٌ في الحِجْرِ جاءني جبريل فهمزني

بعقبه فقمتُ فجلستُ فلم أر شيئًا، فعدتُ إلى مضجعي- ذكر ذلك ثلاثًا- قال في الثالثة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت