الصفحة 2101 من 2429

وأما قولهم: إنه قد سماها في الحديث منامًا، وقوله: (بَيْنَ النَّائِمِ واليَقْظَان) ، وقوله أيضًا: (وهو نائم) ، وقوله: (ثم استيقظتُ) فلا حجة فيه؛ إذ قد يحتمل أن يكون أول وصول الملك إليه كان وهو نائم، أو أول حمله والإسراء به وهو نائم، وليس في الحديث أنه كان نائمًا في القصة كلها إلا ما يدل عليه: (ثم استيقظتُ وأنا في الْمَسْجِدِ الحرامِ) فلعل قوله: (استيقظتُ) بمعنى أصبحتُ، أو استيقظَ من نوم آخر بعد وصوله بيته، ويدلُّ عليه أنَّ مَسْرَاه لم يكن طول ليله وإنما كان في بعضه، وقد يكون قوله: (استيقظتُ وأنا في المسجد) لما كان غَمَرَه من عجائب ما طالع من ملكوت السماوات والأرض، فلم يستفق ويرجع إلى حال البشرية إلا وهو بالمسجد الحرام، أو يكون نومه واستيقاظه حقيقة على مقتضى لفظه، ولكنه أُسري بجسده وقلبُه حاضر، ورؤيا الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه حقٌّ، وقد مال بعض أصحاب الإشارات إلى نحو منٍ هذا، قال: تغميض عينيه؛ لئلا يشغله شيء من المحسوسات عن الله، ولا يصح هذا أن يكون في وقت صلاته بالأنبياء، ولعلَّهُ كانت له في هذه الإسراء حالات، أو يُعَبَّرُ بالنوم هنا عن هيئة النائم من الاضطجاع، ويقويه قوله في رواية عبد بن حميد عن همام: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ» وربما قال: «مضطجع» ، وفي رواية هدبة: «مُضْطَجِعٌ» , وفي الرواية الأخرى: «بينَ النَّائِمِ واليقظانِ» فيكون سَمى هيئته بالنوم؛ لما كانت هيئة النائم غالبًا.

وقول عائشة: (ما فُقِدَ جَسدُه) ، فلم تُحدِّث عن مشاهدة؛ لأنها لم تكن حينئذ زوجةً ولا في سِنِّ مَن يضبط، ولعلها لم تكن ولِدت بعدُ، فإذا لم تشاهد ذلك دلَّ أنها حدثت بذلك عن غيرها، فلم يرجح خبرها على خبر غيرها، وغيرها يقول خلافه مما وقع نصًا في حديث أم هانئ وغيره، وأيضًا فليس حديث عائشة بالثابت. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت