الصفحة 2130 من 2429

قبل الأغنياء بأربعين خريفًا» وصححه، وخرجه أيضًا عن أنس واستغربه. وعند مسلم: «يسبقون الأغنياءَ يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا» ، قال القرطبي اختلاف هذه الأحاديث يدل على أن الفقراء مختلفو الأحوال وكذلك الأغنياء، ووجه الجمع أن يقال: إن سُبَّاق الفقراء المهاجرين يسبقون سُبَّاق الأغنياء منهم بأربعين خريفًا، وغير سباق الأغنياء بخمسمائة عام.

وقد قيل: إن حديث أبي هريرة وأبي الدرداء وجابر يعم جميع فقراء المسلمين، فيدخل الجنة سباق فقراء كل قرن قبل غير السباق من أغنيائهم بخمسمائة عام على حديث أبي هريرة وأبي الدرداء، وفي كتاب «البعث والنشور» للبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو بسند لا بأس به مرفوعًا: «سبق المهاجرون الناس بأربعين خريفًا، يتنعمون فيها، والناس محبوسون بالحساب، ثم تكون الزمرة الثانية مائة خريف» . وفي حديث سعيد بن عامر بن حِذْيَم يرفعُه: «يجمعُ اللهُ النَّاس للحسابِ، فيجيءُ فقراءُ المسلمين فيَذِفُون كما يَذِفُ الحمامُ، فيقال لهم: قفوا للحساب، فيقولون: والله ما عندنا من حساب، ولا تركنا شيئًا، فيقول لهم: صدقوا. فيفتح لهم أبواب الجنة، فيدخلونها قبل الناس بسبعين عامًا» .

وقال أبو الفرج لما كان الفقيرُ فاقدًا للمال الذي يتسبب به إلى المعاصي، ويحصل به البطر والشبع والجهل واللهو الذي يقرب إلى النار، وكان هذا الأغلب على النساء فلذلك قربن من النار، فيدخلونها قبل الناس بسبعين عامًا، فإن قيل: إذا كان هذا فضل الفقر فلم استعاذ منه رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ؟ فالجواب: أنه إنما استعاذ من [فقر النفس] والصواب أن يقال إن الفقر مصيبة من مصائب [209/ب] الدنيا والغنى نعيم من نعيمها، كالمرض والعافية، فالمرض فيه ثواب ولا يمنع سؤال العافية، قال القشيري في الرسالة: وسئل أبو علي الدقاق: أي الوصفين أفضل: الغنى أو الفقر؟ فقال: الغنى لأنه وصف الحق، والفقر وصف الخَلْقِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت