الصفحة 2176 من 2429

الوَبَاء الذي ينزل في ليلة من السنة، كما جاء في الحديث عند أبي داود: «إن في السنة ليلة، -وفي رواية: يومًا- ينزل وباء فلا يمر بإناءٍ ليس عليه غطاء أو بشيء ليس عليه وِكَاء إلا نزل فيه ذلك الوباء» ، قال الليث بن سعد: والأعاجم يتقون ذلك في كانون الأول، وفيه أيضًا صيانته من النجاسات و غيرها من الحشرات والهوامِّ، وقد قال أبو حُمَيد: «إنما أُمِرنا بالأسقية أن تُوكَأ ليلًا وبالأبواب أن تُغلَق ليلًا» ، قال محي الدين: وهذا التخصيص ليس في لفظ الحديث ما يدل عليه، والمختار عند الأصوليين وهو مذهب الشافعي: أن تفسير الصحابي إذا كان خلاف ظاهر اللفظ ليس بحجة ولا يلزم غيره من المجتهدين موافقته على تفسيره، وأما إذا كان في ظاهر الحديث ما يخالفه فإن كان مجملًا رُجع إلى تأويله ويجب الحمل عليه؛ لأنه إذا كان مُجملًا لا يحل له حملُه على شيء إلا بتوقيف، وكذا لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي عندنا، والأمر بتغطية الإناء عام فلا يقبل تخصيصه بمذهب الراوي بل يتمسك بالعموم. انتهى.

وفيه نظر من حيث أن أبا حُميد قال: «إنما أمرنا» ، وهذا رواية لا تفسير، قال محي الدين: رواية أبي حُميد، والرواية الأخرى: «وأنه يَنزلُ في يوم من السنة وباءً» ، لا منافاة بينهما، إذ ليس في أحدهما نفيٌ للآخر، فهما ثابتان، قال القرطبي: جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية، لقولهتعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] ، وليس على الإيجاب وغايته أن يكون من باب النَدْب، بل قد جعله كثير من الأصوليين قسمًا منفردًا بنفسه عن الوجوب والنَدْب، وينبغي للمرء امتثال أمره صلى الله عليه [230/أ] وسلم فمن امتثل سلِم من الضرر بحول الله وقوته، فمتى -والعياذ بالله- خالف إن كان عِنادًا خُلد فاعله في النار، وإن كان عن خطأ أو غلط فلا يحرم شرب ما في الإناء أو أكله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت