فهرس الكتاب
قال النووي: فـ: (أشَارَ إلى نَاحِيةِ اليَمَن) وهو يريد مكة والمدينة، ونسبهما إلى اليمن؛ لكونهما حينئذ من ناحية اليمن، كما قالوا الركن اليماني، وهو بمكة، شرفها الله تعالى لكونه إلى ناحية اليمن. وقيل: أراد مكة، فإنه يقال: إن مكة من تِهامة، وتِهامة من أرض اليمن، وقيل: المراد بذلك: الأحبار؛ لأنهم يمانيون الأصل، فنسب الإيمان إليهم، لكونهم أنصاره؛ قاله أبو عبيد.
قال ابن الصلاح: لو جمع أبو عُبيد ومن سلك سبيله طرق الحديث كما جمعها مسلم وغيره وتأملوها لصاروا إلى غير ما ذكروه، ولما تركوا الظاهر، ولقضوا بأن المراد اليمن وأهله على ما هو المفهوم من إطلاق ذلك، إذ من ألفاظه: «أتاكم أهل اليمن» ، والأنصار من جملة المخاطبين بذلك. فهم إذًا غيرهم، وكذا قوله: «جاء أهل اليمن» ، وإنما جاء حينئذٍ غير الأنصار، ثم إنه صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وصفهم بما يقضي بكمال إيمانهم، ورتب عليه: «الإيمان يَمَانٍ» ، فكان ذلك إشارة للإيمان إلى من أتاه من أهل [238/ب] اليمن لا إلى المدينة ومكة شرفهما الله تعالى، ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره، وحمله على أهل اليمن حقيقة؛ لأن من اتصف بشيء، وقوي إيمانه به، وتأكد اضطلاعه به، نسب ذلك الشيء إليه؛ إشعارًا بتميزه به فكذا حال أهل اليمن حينئذٍ في الإيمان، وحال الوافدين منه في حياة سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وفي أعقابه موته؛ كأويس القرني وأبي مسلم الخولاني وشبههما، ممن سلم قلبه وقوي إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم لذلك؛ إشعارًا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي له عن غيرهم؛ فلا منافاة بينه وبين قوله: «الإيمان في أهل الحجاز» ، ثم المراد بذلك الموجودون منهم حينئذٍ لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه، وهذا هو الحق في ذلك.