فهرس الكتاب
وقال القرطبي: يرتفع الإشكال بأن يقال: إن الآية الكريمة والحديث لا يدلان على أن إبراهيم وسليمان صلى الله عليهما وسلم ابتدأا وضعهما، بل كان تجديدًا لما أسسه غيرهما، وقد روي: «أن أول من بنى البيت آدم» وعلى هذا فيجوز أن يكون غيره من ولده رفع بيت المقدس بعده بأربعين عامًا، وبنحوه ذكره ابن الجوزي وغيره. انتهى كلامهم، وفيه نظر من حيث إن الذي ذكروه تخرصًا رأيناه منقولًا، قال ابن هشام في كتاب «التيجان» : إن آدم صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لما بنى البيت شرفه الله تعالى أمره جبريل صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيَه، فبناه ونسك فيه. وقد ورد عن علي بن أبي طالب ما بيَّن هذا الإشكال وأوضحه إيضاحًا لا حاجة معه إلى كلام غيره في حديثٍ أخبرنا به العلامة بدر الدين الحنفي بقراءة فريدِ دهره علي بن عبد الكافي رحمهما الله تعالى، أخبرنا المسند أبو الكرم لاحق بن عبد المنعم قراءةً عليه عن الحافظ أبي محمد المبارك، أخبرنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن أحمد، أخبرنا الحافظ أبو بكر، أخبرنا الحافظ أبو عبد الله، حدثنا بكر بن محمد الصيرفي، حدثنا أحمد بن حيان بن ملاعب، حدثنا عبيد الله بن موسى ومحمد بن سابق قالا: حدثنا إسرائيل، حدثنا سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة قال: سأل رجل عليًا عن {أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} [آل عمران: 96] ، أهو أول بيت بني في الأرض؟ قال: لا، كان نوح قبله وكان في البيوت، وكان إبراهيم قبله وكان في البيوت، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة والهدى ومَن دخله كان آمنًا. فهذا كما ترى قد بيَّن علي رضي الله عنه أن الوضع غير البناء، وعلى هذا ينزاح الإشكال؛ لأن مفهومه يقتضي وضع ذلك من الله جل وعز فيه قبل أن يضع مثله في المسجد الأقصى، وسياق الآية الكريمة يدل عليه أيضًا.