فهرس الكتاب
قال: قيل: إن كان داود قضى بسبب شرعي، فكيف ساغ لابنه صلى الله عليهما وسلم نقض حكمه؟ فالجواب: أنه لم يتعرض لنقض حكم أبيه، إنما قال: هات السكين أشقه، فقالت الصغرى: لا، فظهر له من قرينة الشفقة في الصغرى وعدم ذلك في الكبرى مع ما عساه انضاف إليه من القرائن التي حصلت له العلمُ بصدقها، أو لعله كان ممن يسوغ له أن يحكم بعلمه، ولعل الكبرى اعترفت بأن الولد للصغرى عندما رأت من سليمان الجد في ذلك، ويكون هذا كما إذا حكم الحاكم باليمين مضى ليحلف حضر من استخرج من المنكر ما أوجب إقراره، فإنه يحكم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين وبعدها، ولا يكون ذلك من باب نقض الحكم الأول، ولكن من باب تبدل الأحكام بحسب تبدل الأسباب. وذكر النووي أن سليمان صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فعل ذلك تحيُّلًا على إظهار الحق وظهور الصدق، فلما أقرت به الصغرى عمل بإقرارها وإن كان الحكم قد نفذ كما إذا اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق لخصمه. وقال أبو الفرج: إنما حكما بالاجتهاد؛ إذ لو كان بنص لما ساغ خلافه، وهذا يدل على أن الفطنة والوهم موهبة. قال القرطبي: ولا التفات لقول من يقول: إن الاجتهاد إنما يسوغ عند فقد النص، والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا يفقدون النص، فإنهم متمكنون من استطلاع الوحي وانتظاره، والفرق بينهم وبين غيرهم عصمتُهم عن الخطأ وعن التقصير في الاجتهاد، وليس كذلك غيرهم، وفيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة وممارسة أحوال الخلق، وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينية وتوسمات نورية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.