الثالث: لما وجد في الإنجيل صفة أمة محمد صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ حسبما قال جل وعلا: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيل} [الفتح: 29] دعا ربه جل وعلا أن يجعله من أمة محمد صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، فاستجاب دعاءه ورفعه إلى السماء إلى أن ينزله آخر الزمان مجددًا لما درس من دين الإسلام، فوافق خروج الدجال, ولا يبعد على هذا أن يقال: إن قتله الدجال يكون من حيث إنه إذا حصل بين ظهراني الناس وقد عمَّهم فرض الجهاد وهو أحدهم لزمه من هذا الفرض ما يلزم غيره، فلذلك يقوم به؛ لأنه من اتباع نبينا صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ. انتهى، وهذا يرد عليه ما أسلفناه من قبل، والذي يظهر أن نزوله لتكذيب من ادعى فيه ما ادعى ليشاهدوه ويشاهدوا تزويجه وموته،329 والرب جل وعز منزَّه عن هذه الأمور. وقوله: (حتَّى تَكُونَ الَّسْجَدُة الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) قال أبو الفرج: كأنه يشير إلى صلاح الناس وإقبالهم على الخير، فهم لذلك يؤثرون الركعة على الدنيا، ولذلك قرأ أبو هريرة ما قرأ. وقال القرطبي: معناه أن الصلاة تكون حينئذ أفضل من الصدقة؛ لعدم الانتفاع بالمال يوم ذاك، وأهل الحجاز يسمون الركعة سجدة. قال أبو الفرج: ولو تقدم عيسى وصلى به لوقع في النفوس إشكال ولقالت: أتُراه قدم نائبًا أو مبتدئًا شرعًا؟ فصلى مأمومًا؛ لئلا يتدنس بغبار الشهوة. وجه قوله: (لا نَبِيَّ بَعْدِي) والله تعالى أعلم. ومعنى -وضع الحرب-: أن تكون الأديان كلها واحدة، يدل عليه قوله: (وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ) لأنه لا دين إلا الإسلام فلا جزية حينئذ، وقيل: معنى فيضِ المال أن مصرف الجزية يكون إليه، فتوضع الجزية استغناء عنها، وهو معنى قوله: (يَفِيضَ المَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ) . (بَابُ مَا ذُكِرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)