وقد ذكرنا من عند مسلم: أن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قال: «لأنا أعلم بما مع الدجال منه» لأن الدجال نفسه لا يعلم حقيقة ما معه من الجنة والنار ولا من النهرين؛ لأنه يظنهما كما يراهما غيره، فيظن جنته جنةً وماؤه ماءً وناره نارًا على الحقيقة، والأمرُ بخلاف ذلك، فيكون قد لبس عليه فيها، والنبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ علَّم حقيقتَه كل واحد، وقد قدمنا أنه كان ساحرًا، وعلى قول من يقول: السحر تخييل من غير حقيقة، وإن كنا لا نقول به، لكنه يعضد قول من قال: هي مخاريق، إما من سحره كما قال تعالى: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} [الأعراف: 116] ، أو أنه لبس عليه كما قدمناه، وهو المرجح عند البيهقي.
وقول النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لعمر: «إن يكن هو فلن تُسلَّط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله» يدل على أن التي يشك منه وعنه جوابان، الأول: يمكن أن يكون هذا قبل إعلامه أنه هو الناهي، وإن خرج الكلام مخرج الشك، فقد يجوز أن يراد به التفنن والقطع؛ لقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْت} [الزمر: 65] وهو يعلم أنه لا يشرك، ولقول ذي الرُّمَّة:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين الندا آأنت أَمْ أمُّ سالم؟