لقائل أن يقول: إن هذا وإن كان خبرًا فهو خبر عن تكليف ومؤاخذة بما تكن النفوس، والتعبد ما أمرهم به صلى الله عليه وسلم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، وهي أقوال وأعمال اللسان والقلب، ثم نسخ ذلك عنهم برفع الحرج والمؤاخذة. قال أبو جعفر: فأما الوجه الذي يصح منه وهو الذي ينبغي أن يتبين ويُوقَف عليه؛ لأن المعاند ربما عارض بقول الصحابة والتابعين في أشياء من الأخبار ناسخة ومنسوخة، فالجاهل باللغة إما أن يحيَّر فيها وإما أن يلحِد فيقول في الأخبار ناسخ ومنسوخ، وهو يعلم أن الإنسان إذا قال: قام فلان ثم نسخ هذا فقال لم يقم فقد (كذب) [1] .قول ابن عباس حين بلغه [17/أ] أن ابن عمر تلا هذه الآية فدمعت عيناه: «رحم الله أبا عبد الرحمن صنع كما صنع الصحابة حين أنزلت، ونسختها الآية التي بعدها {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} فنسخ الله الوسوسة وأثبت القول والفعل» .وفي رواية عند الطبري: «فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل» .وفي لفظ: «فنسخها {آمَنَ الرَّسُوْلُ} إلى قوله: {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} فتجوز لهم من حدث النفس وأخذوا بالأعمال» .وفي «تفسير ابن أبي حاتم» من حديث علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: «هذه الآية لم تنسخ، ولكن إذا جمع الله الخلائق يقول: إني أخبركم مما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ثم يغفر لهم، وأما أهل الريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، فذلك قوله: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} .وعند الطبري عنه: «يقول الله جلَّ وعزَّ: إن كُتَّابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر، فأما ما أسررتموه فأنا أجاوبكم به اليوم» .
(1) ما بين قوسين هو عبارة أبي جعفر في «الناسخ والمنسوخ» ، على غير ما جاءت في الأصل.