فهرس الكتاب
وقال العلامة القشيري: يتعلق بهذا الحديث المسألة المشهورة في التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر وقد اشتهر فيها الخلاف، والفقراء ذكروا للرسول صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ما يقتضي تفضيل الأغنياء بسبب القُرُبَات المتعلقة بالمال وأقرهم صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ على ذلك، لكن علمهم ما يقوم مقام تلك الزيادة فلما قالها الأغنياء ساوَوهم فيها وبقي معهم رجحان قربات المال، فقال: {ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [الحديد: 21] ، فظاهره القريب من النصِّ أنه فَضَّلَ الأغنياء بزيادة القربات المالية وبعض الناس تَأَوَّلَ قوله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [الحديد: 21] بتأويل يخرجه عما ذكرنا من الظاهر، والذي يقتضيه الأصل أنهما وإن تساويا وحصل الرجحان بالعبادات المالية أن يكون الغني أفضل ولا شك في ذلك، وإنما النظر إذا تساويا في أداء الواجب فقط وانفرد كل واحد منهما بمصلحة ما هو فيه، وإذا كانت المصالح مقابلة عن ذلك نظر يرجع إلى تفسير الأفضل، فإن فُسِّرَ بزيادة الثواب فالقياس يقتضي أنَّ المصالحَ الْمُتَعَدِّية أفضل من القاصرة وإن كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس فالذي يحصل للنفس من التطهير
للأخلاق والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر أشرف فيترجح الفقر، ولهذا المعنى ذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر، لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغنى فكان أفضل معنى أشرف.