الصفحة 800 من 2429

قوله: (رَاحَ) بمعنى ذهب أول النهار وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير المحدثين وابن حبيب المالكي، وذهب مالك وكثير من أصحابه والقاضي حسين وإمام الحرمين إلى أن المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس فإن الرواح لا يكون إلا بعد زوال الشمس كما أن الغدو لا يكون إلا قبله، قال تعالى: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ: 12] فذهب مالك إلى الساعات المذكورة إنما هي أجزاء قليلة من الزمان أولها بعد الزوال وإلى أن يجلس الإمام على المنبر قال: لأن الأجزاء متصلة متقاربة فجاز إطلاق البعض القليل على ما هو أقل منه، قال القرطبي: يؤيد ما ذكره مالكٌ أمور:

الأول: أنه أول وقت أمر الله فيه بالسعي إلى الجمعة قال تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوا} [الجمعة: 9] وهذا النداء هو الذي يحصل به الإعلام لدخول الوقت وبعده يخرج الإمام فيجلس على المنبر ويؤذن الأذان الثاني، وفائدته الإعلام بحضور الإمام وعند هذا الأذان تطوى الصحف.

الثاني: التمسك بلفظ الرواح ولَئِنْ سَلَّمْنَا أنه يقال: على المشي مطلقًا فعلى خلاف الأصل وهو مجاز، ولا يعارض ما في الحديث الآخر: (الْمُهَجِّر) فيقال: إنه من الهاجرة وذلك قبل الزوال بل بشدة الحر، وهو صالح لما قبل الزوال وبعده، ولا يقال إن حقيقة الساعة العرفية إنما هي المتعارفة ولا يمنع ذلك، وتقول بل الساعة في عرف اللغة القطعة من الزمان غير محدودة بمقدار كقوله تعالى: {مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} [الروم: 55] وتقول العرب: جئتك من ساعة كذا فيعتبر بحسب ما يضاف إليه وليست محدودةً، والأصل التمسك بالأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت