الثالث: قوله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْاجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، كَالجَزُوْرِ» إِلَى آخِرِهِ. وهذا السياق يفسر الحديث الأول، فإن الفاء للترتيب وعدم المهلة فاقتضى هذا سبقية الأول وتعقيب الثاني فالأول هو الذي راح في الساعة الأولى إلى آخر الخمس مرات وهي من أول الساعة السابعة إلى جلوس الإمام فهي ساعات الدخول للجمعة لا ساعات النهار.
ومنها عَمِلَ أهلُ المدينة بترك البُكور للجمعة في أول النهار وبسعيهم إليها قُرْبَ الخطبة والصلاة وهو نقلٌ معلومٌ عندهم غير منكرٍ، ولو تنزلنا فقلنا إن الساعات في الحديث هي الزمانية لَلَزِمَ انقضاء فضائل المبكرين للجمعة بانقضاء الخامسة التي فيها البيضة ولا يبقى لأهل السادسة فضل ويلزم طي الصحف إذ ذاك وهو مُنَاقِضٌ للحديث، لأنه أخبر أن أجورهم لا تزال تُكْتَبُ إلى خروج الإمام، وخروجه إنما هو في الساعة السابعة. انتهى.
قد أسلفنا من عند النسائي ما يخدش في هذا القول الأخير، وهو أنه ذكرهم في ستِّ مراتب لا خمسٍ فأهل السادسة لهم بيضة والحديث صحيح، ويخدش في ذكره الساعة وأنها قطعة غير محدودة ما أسلفناه أيضًا صحيحًا من عند أبي قُرَّةَ: (وَأَوَّلُ السَّاعَةِ وآخِرُهَا سَوَاءٌ) فجعل لها أولًا وآخرًا ولا يكونان إلا لمحدود، ولو صحَّ لنا حديث أبي داود عن جابر: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِثِنْتَي عَشْرَةَ، يُرِيْدُ سَاعَةً» الحديثَ. لَمَا احْتِيْجَ إلى كلِّ هذا كله التحريض، ولكان أصلًا يرجع إليه، لأنَّ فيه الْجُلَاحَ مولى عبد العزيز بن مروان وفيه كلام، وعند أبي حنيفة أن الساعات تعتبر من طلوع الشمس، وعند الشافعي قولان الأول: كقول أبي حنيفة والثاني الصحيح: من طلوع الفجر.