الصفحة 188 من 615

حكاية في صدق المحبة

و الشيء بالشيء يذكر. حكي أن بعض ذوي الثروة من التجار أوصى ولده عند موته أن يحتفظ على صحبة الكرام، و لا يصحب اللئام، و لا يسوءه من كريم سوء فعله، فإنه يرجع إلى أصله، فلما توفي والده دلّ على رجل شريف النسب، كريم الحسب، فصحبه و كان معه مال فبدّده و ضيعه، ثم تربت يداه و افتقر فذهب لصاحبه يسأله، فقيل له: في أسوء حال، فأنكر نفسه منه فشق ذلك عليه و انكسر لها فلزم بيته، فبينما هو جالس في بيته إذ طرق عليه بابه فخرج، فإذا ثلاثة نفر فقال: ما الخبر؟ فقالوا: نحن تجار من مدائن سبإ، معنا جوهر و درّ نفيس، و لنا عادة نبيعه من صاحب هذه الدار، يعنون أباه، و نمهل عليه بالثمن، فقال: أروني (الجوهر) 305فأخرجوا له جوهرا نفيسا، فاشتراه منهم و أمهلوه بثمنه و ذهبوا، فلما كان في اليوم الثاني جاءته امرأة فقالت له: أنا من عند بيت الخليفة، و لنا عادة أن نشتري من صاحب هذه الدار جوهرا و درّا لبنت الخليفة، فأخرج لها الجوهر، فاشترته منه و رابحته مالا كثيرا و أقبضته له، فصلح حاله، و اشترى له ثيابا و عبيدا و مركوبا، و ذهب إلى صاحبه، فلما قيل له إنه بالباب خرج إليه و رحّب به، فعاتبه و قال: أتيتك و أنا سيء الحال، فنكرت نفسك مني، و الآن تخرج إليّ، فقال له: حيث ظننت ذلك و لم تحملني على المحمل الحسن، فأنا أقول: [البسيط]

أمّا الثّلاث الّذي جاؤك من سبإ

لم يعرفوا سبئا لكنّهم رسلي

و المشترية منك الدّرّ والدتي

و المال و الجوهر المبعوث من قبلي

و ما منعت لقائي عنك منقصة

لكن كفيتك منّي موقف الخجل

(*) أردت أولّيك معروفا بلا نصب

لن تحملنّ فيه ثقل (المنّ من) 306رجل

فسر بذلك و (اعتذر) 307إليه من ظنه به ذلك، و دامت صحبتهما و استمرت مودتهما.

[السبب الموجب لمدح الدولة العلوية]

هذا، و بسرد ملوك هذه الدولة، تعلم (مصداق) 308قول (الناظم) 309قبل من سمو الملك بها، و أنها الحقيقة بالأمداح لخلوها مما ارتكبته الدول قبلها من النقائص و الإساءة.

فهذه دولة بني أمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت