الصفحة 194 من 615

194 [و] 21يحتمل أن نظره و بصره لغزارته و كمال قوته، إذا قابل الشهب، و هي تشتعل، أطفأها بقوته و صارت بالنسبة لنظره باردة و كأن تأثير نظره أقوى من تأثيرها، و هو كناية عن كمال الشجاعة المتأصلة فيه، كيف و هو فرع أصلها، و سليل وصلها! و لما تمكن منها أظهر كل محارب الفرار منه، لما يعلمونه من قوته و بسالته و نسبه الطاهر، و أنه أولى منهم في ذلك.

و كان سبب ظهوره بعد التفكر في المعنى المذكور، أن أباه المولى الشريف كان 22بينه و بين (*) أهل تابو عصامت، و هو حصن منيع من حصون سجلماسة، عداوة فاستصرخ عليهم بأبي حسون علي بن محمد صاحب سوس المتقدم الذكر لمحبة كانت بينه و بينه، و استصرخ أهل تابو عصامت بأهل زاوية الدلائيين 23فأغاثوهم، و توافى عسكر أبي حسون، و عسكر الزاوية بسجلماسة، فانفصل الجمعان عن غير قتال صلحا و حقنا لدماء المسلمين، و كان ذلك سنة ثلاث و أربعين و ألف 24، و لما رأى أهل تابو عصامت ما بين المولى الشريف و أبي حسون من المصادقة و المحبة، مالوا بكليتهم لأبي حسون، و خدموه بنفوسهم و أولادهم، و أظهروا له النصيحة و صدق الخدمة، طمعا أن يفسدوا ما بينه و بين المولى الشريف، إذ كان ظاهرا عليهم به، فلم يزالوا يفسدون بينهما إلى أن أظلم الجو بينهما، و (استكملت) 25القطيعة، ثم إن المولى محمدا بن المولى الشريف لما رأى ذلك، انتهز الفرصة في أهل تابو عصامت و خرج ليلا في نحو مائتين من الفرسان، مظهرا أنه قاصد لبعض النواحي، فلما رام أهل تابو عصامت، قصدهم و تسور عليهم، و حكم السيف فيهم، و مكنه الله منهم، و استولى على ذخائرهم، فقرّت بذلك عين أبيه، و بلغه الله مأموله في أعدائه.

ثم لما نمى الخبر لأبي حسون غضب لذلك، و كتب لعماله على سجلماسة أن يقبضوا على المولى الشريف، و ليتحيّلوا عليه، حتى يبعثوا به إليه حبيسا، ففعلوا، و حمل المولى الشريف لصاحب السوس، فاعتقله في قلعة هنالك، إلى أن افتكه ولده المولى محمد بمال عظيم 26، فرجع لسجلماسة في حكاية طويلة، و كان ذلك كله في حدود سبعة و أربعين و ألف 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت