فهرس الكتاب
[اتصاف المولى سليمان بالعدل]
و أما العدل، فإنه لم يكن في ملوك عصره أعدل منه، حتى أنه كان يلزم العمال ردّ مايقبضونه من الرعايا على وجه الظلم، من غير إقامة بينة عليهم على ما جرى به عمل الفقهاء من قلب الحكم في الدعوى على الظلمة و أهل الجور.
و كان يلبس الصوف، و ربما ريئت ثيابه مرقعة، و كانت عادته في السفر أن يصنع له ماتيسر من الطعام، و لبعض الخواص مما يكفي من غير إسراف و لا تعدد أنواع الطبخ و الطيبات.
و كان رفيقا بسائر الرعية، لا سيما الضعفاء و المساكين، و من عدله سقوط المكس الذي كان قبله يؤخذ من (حواضر) المغرب في الأبواب و الأسواق و على السلع و الغلل و عشبة الدخان. و كان يتحصل (منه) خمسمائة ألف مثقال في السنة.
و من تلك المكوس كان رزق الجند و سلاحه، و رزق السلطان و سائر تعلقاته، و كان كافيا، و لا يدخل بيت المال إلا مال المراسي و أعشار القبائل و زكواتهم، فزهد فيه لعدله و عوضه الله أكثر منه من الحلال المحض، الذي هو الزكوات و الأعشار من الرعية علالوجه الشرعي، مع ما يؤخذ من أعشار تجار النصارى.
و كان منع المسلمين من التجارة بأرض العدو، لئلا يؤدي ذلك إلى تعشير ما بيدهم أو المشاجرة مع الأجناس.
و كانت الرعية بسبب عدله، في غاية اليسر، قد (نمت) مواشيها، و كثرت خيراتها، و خصبت أرضها، و عظمت بركاتها.
[الاتصاف بالحلم و التقوى و الصبر و الخلق الحسن]
و كان مع العدل حليما باتفاق أهل عصره، مالكا لنفسه عند الغضب، و مذهبه درءالحدود بالشبهات، و التماس التأويل.
و من حلمه ما حكاه صاحب الجيش، قال: لما عزمت على الخروج من فاس أيام الفتنة لملاقات السلطان المولى سليمان بقصر كتامة، جئت إلى القاضي أبي الفضل عباس ابن أحمد التاودي لأودعه، فكان من جملة ما أوصاني به، أن قال: قل لمولانا السلطان يقول لك عباس: إنا نخاف إذا ظفرت بهؤلاء الظلمة أن تصفح عنهم، فلما اجتمعت