فهرس الكتاب
أصلحوهم، و أنا قد عجزت بشهادة الله لأني ما وجدت معينا على الحق، و كم مرة تحدثني نفسي أن أترك هذا الأمر و أتجرد للعبادة حتى أموت. فقال من حضر من أعيان مراكش و إيالتها: [يا مولانا] بارك الله لنا فيك و جعلنا فداءك، و نحن أمامك و وراءك، فمرنا بماتشاء، و ما رأينا منك إلا الخير. فسر السلطان بذلك و دعا لهم بخير.
و كتب لأهل فاس بمثله ظنا منه جوابهم بما أجابوا به أعيان مراكش و نواحيها، فإذا به وقع منهم ما وقع، و كان كتابه بذلك وجهه على يد ابنه المولى علي بفاس، و أمره أن يقرأه عليهم بمحضر أهل العلم و أعيان أهل الفضل منهم، فجمعهم و قرأ عليهم الكتاب المذكور فازدحموا عليه ليروا الكتاب بأعينهم، و أكثروا عليه، فضجر و قام و دخل داره و أغلقها عليه، فتحدث بعضهم: بأن السلطان قد خلع نفسه، و قال لكم: قدموا من ترضونه، و قال آخرون: لم يخلع نفسه، و جعل آخرون يقرعون باب المولى علي لإخراج كتاب السلطان و قراءته عليهم حتى يعلموا ما فيه، فقال لهم: إني قد أحرقته. فازدادوا ريبة، و صدقوا بأن السلطان خلع نفسه، و اجتمعوا على مبايعة من يقوم بأمرهم، فاختارواالمولى إبراهيم بن يزيد، و كان ذا سمت و انقباض. و صهر السلطان على ابنته، فبايعوه، و قيل: مكرها صبيحة الرابع و العشرين من محرم الحرام سنة ست و ثلاثين و مائتين و ألف، و آل أمره إلى أن مات بتطاوين إثر ذلك، ثم بايع من كان معه هنا لك من أهل تطاوين المولى السعيد بن يزيد، و في الأثر: سمعوا بقدوم المولى سليمان من مراكش ففروامن تطوان إلى فاس، و آل أمره إلى الفشل و الإنهزام عند لحوق السلطان المولى سليمان به (لحضرة) فاس، و جاء أهل فاس تائبين إلى السلطان، فعفا عنهم على عادته، و قال:
(لاا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ يَغْفِرُ اَللّاهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ اَلرّااحِمِينَ)
و لما صفا له الأمر بفاس، عزم على النهوض إلى تطاوين، فاستخلف على فاس ابن أخيه المولى عبد الرحمان بن هشام لعدالته، و كفايته، و حسن سياسته، فوفد عليه بالطريق أهل تطاوين و ما والاها تائبين، فعفا عنهم و صفح، و أحسن إليهم، و انقلب راجعا إلى حوز مراكش حيث صفاله أمر تطاوين فجدّ السير إلى مراكش و دخلها، ثم خرج منها لغزو أهل زاوية الشرادي، فانهزم شرهزيمة، ثم عاد إلى مراكش، فرجع إليه المنهزمون عنه تائبين خاضعين و في عفوه راغبين، فماوسعه إلا الإعراض عن أفعالهم الذميمة و طاعتهم السقيمة، ثم أمرهم بالتأهب لغزو برابرة الغرب، فتوجهوا إلى بلادهم ليأتوا بأهبتهم إلى عيد المولد الكريم، فانقضى أجله رحمه الله.