فهرس الكتاب
و المعنى أنه لما أجاب المولى سليمان ملك الموت، و هو داعي الله عند انقضاء أجله، و تمام غايته عند الله، تولى بعده ولي عهده الموصى له بذلك من بعده، و هو المولى عبدالرحمان بن هشام، و استغنى عن التصريح باسمه لشهرته و انفراده بولاية العهد في هذه الدولة، على كرسي ملكه، و ما كان عليه من الأملاك، فأعطته المعالي و الرتب أحسن مايرغب فيه، و في اقتنائه، فتملكها بعناية الله. و كان أهلا لها فكان كمعطى القوس باريها، و قد تقدم ما في العهد بالخلافة و أصل ذلك.
ثم قال الناظم رحمه الله:
فأودعها رحل الخزين لعلمه ... من (الغيب) ما قد كان طيّ المكاتب
فكان و كان الأمن و اليمن و الهنا ... و نال الّذي يبغي بها كلّ طالب
الوديعة: فعلية بمعنى مفعولة، و أودعت زيدا المال دفعته إليه، ليكون عنده على وجه الحفظ و الأمانة، مشتقة من الدعة و هي الراحة. و الرجل: مسكن الرجل و ما يستصحبه من الآثاث. و الخزين ما يخزن فيه الشي ء أي ما يوضع فيه الشي ء للإحراز. و الغيب: كل ماغاب عنك. و العلم: اليقين بالشي ء. و طي المكاتب: انثناؤها معلوم. و الأمن و الأمان بمعنى و هو السلامة من كل ما يخشى توقعه، و الله تعالى (المؤمن) لأنه أمّن عباده من أن يظلمهم. و اليمن: البركة و الهناء، ضد الفتن.
و المعنى، أنه أودع تلك النفائس مكان احترازها، و اجتهد في إعزازها لعلمه بما يغلب على ظنه و مقتضى فراسته، بما يكون في المستقبل، مما كان في سابق الأزل، من مصيرهذا الأمر إليه، فكان (مصدق) ذلك العلم منه رحمه الله، و كان الأمان، و البركة، و الهناءفي وقت ولايته، بعد تمهيد من (بغى) عليه، و كل طالب نال حاجته، و بغيته، و مقصوده، و ما يبغيه بولايته، و لا خصوصية لطالب العلم، فكل طالب مقصد ناله من عدله و حسن سيرته، و لا سيما العلماء و طلبة العلم، كما هي سيرة ملوك هذه الدولة الفخيمة. و كلامه صريح في أنه كان من أهل الكشف، و الأولياء العارفين، و العلماء العاملين، و هو كذلك.
فمن مناقبه ما شاع، و ذاع، و تواتر، عن قبيلة غياثة. من أنهم أصابهم وقت حصاره عليهم، لعدم انقيادهم و عتوهم، القحط، و الجوع من غير قلة، و أن نساءهم ليعجنون الدقيق الخالص بمجرد الفراغ من طحن بره، و يجدن الدود خرق قرص الخبز، و اختلط به، فلا - يقدرون على أكله، لعدم انفكاك الدود عنه، و هو من الشائع المستفيض لديهم، حتى تصالحوا معه، و أذعنوا لطاعته، و أدّوا ما أوجبه عليهم، مما كان بذمتهم من الزكاة رحمه الله.