فهرس الكتاب
قاله الجامعي في شرحه لنظم الحلفاوي من أنها لم تكن مدينة على عهد العرب و البربر و إنما مدنها الأتراك منذ استوطنوها، غير صحيح، لنص ابن خلدون: و اختط زيري مدينة أشير بسفح جبل تطري بأمر إسماعيل (المنصور) العبيدي، ثم اختط ابنه بلكين بأمره و على عهده مدينة الجزائر، المنسوبة لبني مزغنة، و مليانة، و (المدية) ، و هذه المدن الثلاث، لهذا العهد من أعظم مدن المغرب الأوسط. انتهى.
و لم يكن في المغرب مدينة تضاهيها في التمدن و الحضارة، بل منها أخذ التمدن.
هذا، و المولى عبد الرحمان بهذا التاريخ بمراكش مشغولا بتمهيد الملك.
[اتفاق أهل الجزائر على بيعة المولى عبد الرحمان]
و لما عاين أهل وطن الجزائر ذهاب الترك، و خراب ملكهم، و نزل بهم ما لا طاقة لهم به، اجتمع بعض الأعيان من أهل الحل و العقد، و العلماء، و الأشراف، لينظروا في أمرهم، فاتفق رأيهم على الدخول في طاعة المولى عبد الرحمان و مبايعته، فكتبوا بذلك إليه، و عينوا جماعة منهم للوفادة على السلطان، تأكيدا للطلب، و استعجالا لحصول هذا الأرب، فقدموا على السلطان بمكناسة الزيتون، فأكرم و فادتهم و أجل مقدمهم، و لما صرحوا له بمرادهم، زيادة على كتابهم، توقف في ذلك و هو إلى قبول طلبهم أميل، إلا أنه أراد موافقةالشريعة النبوية، فاستفتى في ذلك علماء فاس، و استشار فيه قاضي الجماعة بها صهره و ابن عمه المولى عبد الهادي، و كان سديد الرأي، و حبرا من أحبار الإسلام، فكفه عن إجابتهم بقوله: إنهم في القديم يخطبون بإسم العثماني فمالهم لا يذهبون إليه و هم مطوقون ببيعته؟ و كذلك البعض من علماء فاس، و البعض رخص في ذلك و مال لمطلوبهم. فأخذ السلطان- رحمه الله- بقول من رخص، و مال إليه.
و لما بلغ أهل تلمسان و من وافقهم على ما ذكر، ما قاله المولى عبد الهادي و من نهج نهجه، عقدوا مجلسا علميا، و أفتوا بنصوص صريحة في أن العثماني حيل بينهم و بينه بإيالات و بحور، يتعذر بها الوصول إليه الأيام و الشهور، و يتعين على السلطان إجابتهم لقربه منهم و اتصاله بهم برا و بحرا، فحينئذ أجابهم لما طلبوه من غير توقف.