فهرس الكتاب
وادي إيسلي بقرب وجدة، و نزل بتلك الجيوش مواجها للعدو، و كان السيد الحاج عبد القادربتلك النواحي، متطلعا ما يكون من أمر ملاقات المسلمين و الفرنساويين، فرأى محل نزول جيش المسلمين و كثرته و هيئته المغايرة لمقتضى سياسة الحرب، فحركته الغيرةالإسلامية على النصيحة لأهل ملته، بأن قال للخليفة سيدي محمد: إن هذه الفرش و الآثات و الثقلة، التي جئتم بها حتى و ضعتموها بباب جيش هذا العدو، ليس هذا من الحزم و سلامة العاقبة و الرأي السديد، أن لا تلاقوا العدو إلا و أنتم متحملون منكمشون، بحيث لايبقى لكم خباء مضروب على الأرض، و إلا فإن العدو متى رأى الأخبية مضروبة إلاو قصدها و لا يرجع دونها، و لو أفنى عليها عساكره، و الصواب أن لو أبقيتم هذه النقلةبوادي زا، فإن كانت لكم، فلا يبعد إتيانها، و إن كانت عليكم فتسلم من الأخذ، و تجدون الراحة و المقام بها حتى تعودوا للقتال.
فلم يقبل و لا أحد منهم نصيحة لما قدره الله، فعاد لمحله محوقلا، و كان عدم قبولهم لنصيحته الآنفة من الدخول تحت أمر رأيه و مشورته، و بعده صبحهم العدو، فأقبل بعض الأعراب لينذر المحلة بهجوم العدو عليهم، و أنهم تركوه يستعد للنهوض حينا، فلم يلتفت إليهم أحد، لاعتمادهم على القوة و البسالة، و بعده، أتى آخرون بعد طلوع الفجر و أنذروا بماأخبر به الأولون، فأمر الخليفة الناس بالركوب و الإستعداد لملاقات العدو، فركب الجيش و بنو يزناسن، و كانوا فيما يقرب من عدد الجيش، و اصطفت الخيل على ترتيب عجيب و الخليفة و سطهم، و لما التقى الجمعان (صدم) المسلمون العدو صدمة قوية، و ثبتوافي نحر العدو مقدار ساعة، و انهزموا بقول قائلهم أن الخليفة قد هلك، و رجعوا لنهب المحلةو قصدوا أخبية المال بها. و ماج الناس بعضهم في بعض و قتل بعضهم بعضا، و وقع الفشل و تمت الهزيمة، و نفذ أمر الله، و استولى العدو على المحلة بما فيها و لم يفلت منهاشي ء، و كانت من أعظم المصائب على المسلمين، و أكبر المحن على هذه الدولة الشريفة، و أول إهانة لقبائل المغرب، و كان ذلك في الساعة العاشرة من يوم الخامس عشر من شعبان سنة ستين و مائتين و ألف، و قد اتصل خبر الهزيمة بالمولى عبد الرحمان برباط الفتح عند قفوله من مراكش يريد فاسا، كما اتصل به أيضا خبر هجوم الفرنسيس على ثغري طنجة و الصويرة و رميهما بألوف القنابل، فاغتم لذلك رحمه الله، و ساءه فعل الجيش و انهزامه و نهبه محلته، فعمد بذلك إلى قواد المحلة و كبراء الجيش فأهانهم و أمربحلق لحاهم و سخط عليهم.