فهرس الكتاب
[المقصد الثاني عشر: الاحتلال الإسباني لتطوان و عقد الصلح]
[تولية محمد بن عبد الرحمان]
و بعد وفاته رحمه الله، تشرفت الخلافة بولده سيدي محمد بعهد منه، و إلى ذلك أشار بقوله:
و شرّفها من فضله بمحمّد ... فأطلع شمسا بين تلك الكواكب
فزاد لهم حسنا و نمّق عقدهم ... بدرّ نفيس من نفيس المواهب
الشّرف: العلو. و الفضل: ضد النقص. و الكواكب: جمع كوكب و قد مر تعريفه.
و التنميق: التحسين لكل شي ء.
و العقد: القلادة. و الدرّ: اللؤلوة معروف. و النفيس: المنتخب من المغتبط فيه من كل شي ء. و المواهب: جمع هبة و هي العطايا.
و المعنى: أن المولى عبد الرحمان شرف الخلافة بأنجب أولاده و أعقلهم و أعلمهم و هوسيدي محمد و ذلك يعد من فضله عليها و على الرعية، حيث اختار لهم من يليق بسياستهم و تحمد عاقبتهم معه، فأطلعه في سماء الخلافة شمسا بين الملوك، فكانوا بمقابلته كواكبالشرفه عنهم بزيادة العقل و الدين كما أن الشمس تفوق بالضرورة سائر الكواكب بالنورو الجرم، فزاد لهم أي للملوك العلوية حسنا بذكر مفاخره و مناقبه، و حسّن عقدهم بنظمه في ذلك العقد الفريد وعده فيهم، لكونه بمنزلة الدرة النفيسة: من النفيس أي المختار من المختارالمنتخب لجودته، و أن مناقبه بمنزلة (الدرة) المختارة من المختار كذلك للهبة. فخلافته- رحمه الله- من مواهب المولى عبد الرحمان على الملوك و الرعية، و نال ذلك من أبيه لما كان عليه من أول نشأته، من شدة البرور بأبيه، و الإتصاف بالسكينة، و الوقار، و الصلاح، و التقوى، و سائر خصال الخير، حتى استخلفه أبوه صغيرا فجرى على منهاج السياسة. و حمدت سيرته الرعية، ففوض إليه، و ألقى بزمام مملكته بيديه، و لم يستثن عليه شيئا منها، فاتخذ العساكرو جنّد الأجناد، و ولى و عزل، و قدم و أخر، و وضع و رفع، كأنه مستقل بنفسه، و لم يعب عليه شيئاو لا رد له أمرا، و كانت العادة إذا كان والده المولى عبد الرحمان بفاس يكون هو بمراكش، و إذا صعد السلطان لمراكش أعقبه لفاس، و هكذا إلى أن توفي السلطان رحمه الله.