الصفحة 422 من 615

[اهتمام المولى محمد بن عبد الرحمان بالعلم و العلماء]

و كان من العقلاء الثابتين و الأتقياء العارفين و العلماء الراسخين، بانيا أمره علالشريعة لا يحيد عنها طرفة عين، معتنيا بسرد البخاري كل سنة، متشوفا لعلم الهندسةو التنجيم و الهيئة، و جدّد معاهد العسكر و أسسها، و وجه لتعليم الهندسة و الحرب عددا من الطلبة و أبناء المسلمين لبلاد الإفرنج، فتعلموا ما يكفي من ذلك، و ما يحتاج إليه في تعليم كيفية النّظام، و استغنى بهم عمن عداهم من الأجانب.

[وقوع حرب تطاوين و أسباب انهزام الجيش المغربي]

و كان مكرما للعماء معظما لجانبهم، رادّا مهمات الرعية إليهم، لم يقطع دونهم أمرامهما، عالي الهمة، مهتما بالجهاد و الاستعداد، ظانا مقاومة الرعية للعدو، و به أذن للرعيةفي مقاتلة الإصبنيوليين بسبب طلبهم قتل إثنى عشر رجلا من المسلمين المجاورين لهم بسبتة، قائلين أنهم بغوا عليهم، فنشأ من ذلك حيث لم يساعدهم السلطان على طلبهم نقض الصلح و حرب وقعة تطاوين، و لم يأل جهدا في إقامة الجنود و الجيوش المتطوعة المجتمعةللغزو، ففتح الخزائن و أنفقها عليهم من كل ما يحتاجون إليه من خيل و آلة حرب من غيرحصر، و ذلك على يد خليفته أخيه المولى العباس، فكان الحرب، و نال المسلمون من الإصبنيوليين أجمل منال، و كان الحرب بينهم سجال، و النصر للمسلمين في غالب الأحوال، إلى أن تكاسلوا عن القتال و تقاعدوا، و تخالفوا على ما جزموا به و تواعدوا حتى إن نحو المائةمن المسلمين واقفون أمام العدو يقاتلون، و نحو الألف و الألفين ينظرون لقتالهم من بعيديتفرجون على صنعهم، و ما أقنعهم ذلك حتى جعلوا يتلصصون على من وجدوه من محلةالمسلمين فريد، و يأخذون ما معه، و ربما أصابوه بأسنة الرماح، أو قتلوه بمقامع الحديد، ففشل المسلمون بذلك، و دخل العدو مدينة تطاوين و أخذ بعض ما هنالك، و كان أشد بلاء علاهلها، قبائل الجبال المجاورة لها، فقد أباحوا حريمهم، و سفكوا دماءهم لفرارهم نحوهم ظانين أمانتهم و أخوة الدين التي بينهم، فكان ما قدره الله، و لا حول و لا قوة إلا بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت