فهرس الكتاب
[رجوع المؤلف لأسباب الانهزام في حرب تطاوين]
و بهذه الوقعة، انكسر المسلمون انكسارا لم يعهد لهم مثله، و زال حجاب الهيبة عن بلاد (المسلمين) لذمامة الاصبنيول حينئذ و حقارته لدى الدول العظام، إذ (غلب) [الحقير] أشد للحسرة و آكد للفضيحة، و في المثل: لو ذات (سوار) لطمتني. و لذلك كانت هزيمة وادي يسلي المتقدمة مع الفرنسيس، أهون من هذه، لكون الغالب غير حقير، بل هو أعظم دول الإفرنج و الروم و بمكائد الحروب خبير. و على كل حال فانهزام المسلمين إنما هو بسبب افتراق كلمتهم، و عدم حاكم يزعجهم على التقدم، و ضابط يجبرهم على الزحف، حتى (يظهروا) شجاعتهم، و أقوى من ذلك ركون بعضهم إلى العدو و انتصارهم له و سعايتهم في (تغلبه) ، و انتصاره بما أمكنهم. و بذلك أخذت أكثر بلاد المسلمين مع خبث نيتهم و سوء طويتهم. قال القاضي يحي بن عاصم رحمه الله في كتابه جنة الرضا في التسليم لما قدر الله و قضى ما نصه: و من استقرأ التواريخ المنصوصة، و أخبار الملوك المقصوصة، علم أن النصارى- دمرهم الله- لم يدركوا في المسلمين ثأرا، و لم يدحضوا عن أنفسهم عارا، و لم يخربوا من الجزيرة منازلا و ديارا، و لم يستولوا عليها بلادا جامعة و أمصارا، إلا بعد تمكينهم (لأسباب) الخلاف، و اجتهادهم في وقوع الافتراق بين المسلمين و الاختلاف، و تصريفهم بالمكرو الخديعة، بين ملوك الجزيرة، (و تحريشهم) بالكيد و (الخلافة) ، بين حماتها في الفتن (المبيدة) ، و مهما كانت الكلمة مؤلفة، و الأراء لا مفترقة و لا مختلفة، و العلماء بمعاقدةاتفاق القلوب إلى الله مزدلفة، فالحرب إذ ذاك سجّال، و لله في إقامة الجهاد في سبيله رجال.
إلى أن قال: و تطاولت الأيام بين مهادنة و مقاطعة، و مضاربة و مقارعة، و منازلة و منازعة، و موافقة و ممانعة، و محاربة و موادعة، و لا أمل للطاغية إلا هدم أركان الدين، و إضمار المكيدةللموحدين، و (استيصال) الخديعة للمجاهدين، و هو يظهر أنه ساع للوطن في العاقبةالحسنى، و أنه منطو لأهله على المقصد الأسنى انتهى المراد منه.